في الوقت الذي يتهم فيه قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ثورة يناير بأنها عرت مصر، وأنها سبب الكوارث التي تعرضت لها البلاد، من عينة سد النهضة وتعطيش مصر، تكشف لغة الأرقام عن كذب السيسي، وهو ما تعبر عنه الأرقام والتقارير الدولية التي ترصد أحوال مصر.

ولكن السيسي- بحسب مراقبين- قد صدَقَ في جزء من كلماته، أمس، خلال الندوة التثقيفية الـ31 للقوات المسلحة، وهو يؤكد أن ثورة يناير عرّت كثيرا من الأوضاع المزرية لفئة العسكر ومتسلطي الحكام، سواء في نظام مبارك المخلوع أو نظام العسكر.

فقد عرّت ثورة يناير بتفاعلاتها وأحداثها الطرف الثالث الذي كان يلعب في الخفاء لتدمير الوطن وخلط الأوراق وإشاعة الفتنة الطائفية بين أبناء مصر، وليس أدل على ذلك من تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، عبر رجال حبيب العادلي، الذين استهدفوا تحقيق رغبة مبارك ونظامه في تأديب البابا شنودة، والضغط عليه لعدم الاستعانة بأقباط المهجر.

كما عرّت ثورة يناير أساليب الخداع العسكري، التي يديرها بعض قيادات العسكر، الذين ينصبون على المصريين باسم الوطنية، وهم من يفسدون في الأرض، ولا أدل على ذلك مما كشفته تطورات قضية أراضي الحزام الأخضر مؤخرا، والتي كانت ممتدة منذ عهد مبارك ونجله، إلى السيسي ونجله، والتي تأكد خلالها تورط رجال المخابرات والرقابة الإدارية في الفساد الواقع بالمشروع، وتحويل السيسي بقرار منه لا يخدم سوى الكبار من رجالاته الأراضي الخضراء إلى أراض سكنية وبأسعار متدنية، فيما الأراضي التي تطرح لعموم الشعب يتجاوز سعر المتر فيها نحو 3 آلاف جنيه.

كما عرت ثورة يناير فشل نظام مبارك وامتداداته العسكرية حتى الآن، عن بيزنس العسكر الذين يبتلعون اقتصاد مصر يوما تلو الآخر، لدرجة وصلت لنحو 60% من الاقتصاد المصري، بحسب تقديرات مؤسسة كارينغي والبنك الدولي، فيما حذر صندوق النقد الدولي السيسي بأن توسع اقتصاد الجيش يهدد الاستثمارات المدنية، ويتسبب في هروب رؤوس المال الأجنبية خارج مصر، بعد أن فقدت الشركات المنافسة أمام شركات العسكر المعفاة من الضرائب والرسوم، والتي تتمتع بالعمال بالمجان وفق نظام السخرة المتعارف عليه في مصر.

وعرت أيضا ثورة يناير مصر من القمع الأمني والتصفيات الجسدية والخوف الذي كان يفرضه العسكر على المصريين، الذين تأكدوا أن بيت العسكر أضعف من العنكبوت، وأنهم جديرون بهزه واقتلاعه، وهو ما بدا واضحًا خلال غضبتهم في 20 سبتمبر الماضي، وهي الرسالة التي فهمها بعض العسكر، والتي يحاول السيسي التشويش عليها بالاعتقالات أو التصفيات الجسدية لبعض المختفين قسريًّا لإخافة الشعب مجددا، وهو ما لن يتحقق بعد كسر جدران الخوف.

وكذلك عرت ثورة يناير مصر من التضليل الإعلامي الذي كان يمارسه نظام مبارك، وعاد إليه عبد الفتاح السيسي الذي سيطرت أجهزته المخابراتية على كافة وسائل الإعلام، المقروءة والمسموعة والمرئية، ورغم ذلك لم يفلح السيسي في السيطرة على عقلية المواطن المصري، الذي بات رافضًا لسياساته وغير قابل للانخداع بما يردده ويقوله إعلام العسكر، إلى أن جاء فضاء السوشيال ميديا الذي كشف الجميع وأجلى الحقائق، فانفضحت عورات السيسي.

ومن باب التعرية التي تسببت فيها ثورة يناير، أنها كشفت حقيقة معدن الشعب المصري، الذي حافظ على تماسكه وقاوم الانفلات الأمني الذي أطلقه السيسي ومبارك والطرف الثالث الذي تمثل في عبد الفتاح السيسي واللواء حمدي بدين والمشير طنطاوي، إبان الثورة وما بعدها لإخافة المصريين من الثورة والتغيير، وكانت تجربة اللجان الشعبية التي انتشرت في الميادين والشوارع والقرى والمدن خير مثال للتعاضد المصري والتكاتف الشعبي لحماية مصر، وهو ما يتكرر في أوقات الأزمات بكافة أشكالها.

Facebook Comments