كتب – رانيا قناوي
أكد الكاتب الصحفي فهمي هويدي، أن تغوّل سلطة الانقلاب، ونزوعها إلى إضعاف المجتمع يحقق نبوءة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، التي قال من خلالها "شبه الدولة" ويكاد يدخلها فى طور آخر.

وأضاف هويدي خلال مقاله بصحيفة "الشروق" في عددها المنور صباح اليوم الثلاثاء، أنه فى شهر يوليو من العام الماضى، أصدر عبدالفتاح السيسى قرارا بقانون خوله حق عزل رؤساء الهيئات الرقابية والأجهزة التى نص الدستور على استقلالها، لاستهداف المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، وحين عرض القانون على قسم التشريع بمجلس الدولة، فإن خبراءه غضوا الطرف عن المخالفة الدستورية، ومن ثم أجازوه، الأمر الذى مهد الطريق أمام تمريره وتأييده لاحقا من برلمان العسكر.

وأشار هويدي إلى مؤلف الدكتور جمال حمدان «شخصية مصر» فى تحليله لتاريخ تحكم السلطة فى مصر، فإنه أرجع الأمر إلى دور نظام الرى النهرى فى إنتاج ما أسماه «الطغيان الفرعونى» ــ ذلك أن قيام الفرعون على توزيع المياه للرى جعله لا يتحكم فقط فى ضبط النهر وإنما فى ضبط الناس أيضا. وهو ما حول مصر إلى «ضيعة كبرى للحاكم». وصارت الدولة الفرعونية نظاما ديكتاتوريا مطلقا أبعد ما تكون عن الديمقراطية. لذلك ليس صدفة أن مصر الفرعونية لم تشتهر بقانون كبير ولم يعرف فيها إنجاز قانونى له شأن، من مثل حمورابى أو الرومان.

وأضاف الدكتور حمدان أن الحكم الأوتوقراطى المطلق أدى وظيفته فى البداية، حيث وضع أسس الحضارة المصرية وأرسى دعائمها، غير أنه لم يلبث أن تعدى نفسه إلى القهر السياسى والاجتماعى. ومن ثم فإنها تحولت من قوة قهر إلى قوة بطش. ولخص فكرته فى قوله إن الطغيان الفرعونى جاء نتيجة حتمية للدولة المركزية. فتضاءل حجم الشعب بقدر ما تضخم وزن الحكم، وكلما كبرت الحكومة صغر الشعب.

وأشار إلى ما يحدث الآن من اختفاء دور المؤسسات المستقلة، واستخدام سلطة التشريع لتقنين الإلحاق وتشديد قبضة السلطة، من خلال النص على انفراد رئيس الدولة باختيار ليس فقط أركان وقيادات السلطة التنفيذية التى يرأسها، وإنما أيضا تعيين رؤساء المؤسسات «المستقلة»، بما يلغى دور قواعد المجتمع فى اختيار القيادات التى تمثلها فى مختلف مكونات الدولة.

وأكد هويدي أن التحكم فى مصائر المجتمع يؤدى إلى الانتقال التدريجى من فكرة الدولة إلى صيغة السلطنة، التي تديرها أذرع السلطان التى تأتمر بأمره وترهب المجتمع بصولجانه. وهو مآل يقربنا من حالة "شبه الدولة"» التى جرى الحديث عنها أخيرا فى مصر.

وأشار إلى أن التقليد المتبع هو أن الجمعيات العمومية هى التى تنتخب رؤساءها وفقا لأعراف مستقرة منذ عقود، إلا أن القانون الجديد ألغى دور الجمعيات العمومية وجعل رئيس الجمهورية هو من يختار أولئك الرؤساء من بين ثلاثة ترشحهم الهيئة المعنية، وبدلا من أن تنتخب الجماعة الصحفية رؤساء المجالس التى تدير المهنة، فإن الرئيس صار من يقرر تشكيل تلك المجالس ويختار رؤساءها، فضلا عن مشروع تعديل قانون الأزهر يوسع من اختصاص الرئيس فى إدارته، فهو يعين شيخ الأزهر، كما يعين إمام وخطيب الجامع الأزهر، ويعين خمسة من أعضاء المجلس الأعلى للأزهر ويعين الأمين العام لهيئة كبار العلماء.

وقال هويدي إن التحدى الكبير الذى بات يواجه مصر الآن يختصره السؤال التالى: كيف ننقذ مصر من مصير شبه الدولة الذى تنزلق نحوه حينا بعد حين؟. 

Facebook Comments