قالت افتتاحية صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، إن حسني مبارك الذي شيعت جنازته اليوم كان أكثر من أي حاكم عربي آخر من جيله، أتيحت له الفرصة لتحرير بلده وتحديثه، وكان رفضه القيام بذلك أحد مسببات الثورة العربية عام 2011، وسببًا رئيسيًا في القمع الذي يصيب مصر اليوم.

وأشارت الصحيفة في تقريها الذي جاء بعنوان “مصر لم تتعلم من فشل حسني مبارك”، إلى أن مبارك الجنرال في سلاح الجو سابقًا، توغل في رئاسة مصر عن طريق اغتيال أنور السادات في عام 1981. مضيفة أنه خلال 29 عامًا من الحكم الذي أعقب ذلك، أحدثت شخصيته الثابتة ترددًا عميقًا في تغيير الكثير عن نفسه أو بلاده.

وأوضحت أن مصر ظلت راكدة لعقود من الزمن، ومحبوسة في الاقتصاد شبه الاشتراكي والأيديولوجية القومية العربية التي صاغها جمال عبد الناصر في الخمسينيات، وأنه في هذه الأثناء، زاد عدد السكان، في وقت ترك الاقتصاد العالمي سريع التكامل مصر وراءه.

 

حكم استبدادي

وقالت واشنطن بوست، إنه بوفاة حسني مبارك عن عمر يناهز 91 عامًا، انتهى أيضا حكمه الاستبدادي في مصر بثورة المواطنين.

وأضافت أن مبارك قام بجهد متأخر ومتوقف في الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ في التسعينيات، وتبع ذلك طفرة متواضعة. لكن التقدم أعاقه المحسوبية والفساد.

وأردفت أنه نتيجة لذلك، فإن السياسات الليبرالية التي تحتاج إليها مصر بشدة لجذب الاستثمارات الأجنبية واتباع مسار البلدان النامية مثل الصين والهند وإندونيسيا، كانت مطلوبة بصدق لدى الكثير من السكان.

وتابعت أن مبارك كان يرغب في تغيير أكثر هدوءًا، وأنه في السنوات الأخيرة من حكمه، كان يتسامح مع حرية الصحافة وامتنع عن مراقبة الإنترنت، والذي سمح لعشرات الآلاف من الشباب بالتنظيم ضده.

واستدركت بقولها: “لكن الانتخابات كانت مزورة على الدوام، وتعرض المعارضون الديمقراطيون المسالمون للاضطهاد والتعذيب والسجن”.

وأشارت إلى احتفاظ مبارك بأقسى إجراءاته، ليس فقط ضد جماعة الإخوان المسلمين “المحظورة”- التي سمح لها بوضع العشرات من أعضائها في البرلمان- ولكن للديمقراطيين العلمانيين المؤيدين للغرب.

وأنه سمح له أن يجادل مع المستبدين في البيت الأبيض والكونجرس، في كثير من الأحيان بنجاح، وأن عليهم الاختيار بين ديكتاتوريته أو استيلاء الإسلاميين.

 

الجنرالات أخرجوه

وقالت واشنطن بوست، إن مبارك مثله مثل الديكتاتوريين في أماكن أخرى، حيث أعد ابنه لخلافته. لافتة إلى أن فكرة جمال مبارك الذي لم يحظ بشعبية كقائد، ساعدت على دفع المصريين إلى الشوارع خلف الثوريين الليبراليين في يناير 2011، وأضعف بشدة دعم مبارك بين الجنرالات الذين أخرجوه في النهاية.

وأضافت أنه منذ انقلاب يوليو 2013، حيث قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي ضد رئيس منتخب منتمٍ لجماعة الإخوان المسلمين، غرقت مصر في نظام قمعي لا يزال يتسم بالآلاف من عمليات القتل خارج نطاق القانون وعشرات الآلاف من السجناء السياسيين.

لم يتعلّموا

وأضافت الصحيفة الأمريكية أن الولايات المتحدة في مقابل التسامح مع مبارك الاستبدادي وتزويده بمبلغ 1.5 مليار دولار من المساعدات السنوية، أمّنت سلامًا باردًا بين مصر و”إسرائيل” والوصول إلى قناة السويس.

واعتبرت أن مبارك ظل حليفا صعبا، وأنه في عام 2005 خلص الرئيس جورج دبليو بوش إلى أن سياسة الولايات المتحدة المتمثلة في دعمه وغيره من الحكام الديكتاتوريين العرب كانت خطأ، ودفعت مصر إلى “قيادة الطريق” في دمقرطة العالم العربي، وعندها قاوم مبارك المبادرة حتى تلاشت.

ورأت الصحيفة أنه عندما اندلعت الثورة، ساعدت إدارة أوباما في طرد مبارك من السلطة، ولكن بعد انقلاب السيسي عادت سياسة الولايات المتحدة إلى اعتناق أعمى للحكم الاستبدادي المصري، حيث وصف الرئيس ترامب السيسي بأنه “الديكتاتور المفضل لديه”.

وخلصت الصحيفة إلى أن ترامب والرجل القوي الجديد في مصر لم يتعلما دروس فشل مبارك. وأنه لا تزال أكبر دولة في العالم العربي من حيث عدد السكان متخلفة عن الدول النامية الأخرى، وما زال المصريون الذين يدافعون عن الإصلاحات الليبرالية أو حتى حرية التعبير مضطهدين بلا هوادة. وأنه يبقى الإسلاميون أقوى قوة معارضة. وأنه للأسف، فإن النظام القمعي الراكد الذي خلقه مبارك أصبح معيار مصر.

Facebook Comments