“العسكر والداخلية إيد واحدة”.. بالطبع لا تضم تلك اليد أي عنصر مدني من الشعب، حتى إنه عندما أراد جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي أن يوبخ أحدهم بسبب عدم وضع الكمامة للعمال في أحد مواقع البناء، نادى بأعلى صوته “فين المدني اللي هنا؟”.

ولأنّ الداخلية هم خدم العسكر وسكّينهم الذي قطع يد ثورة 25 يناير؛ فكان على اللواء محمود توفيق، وزير الخدم، أن يتجاهل الشعب ويتقدم ببرقية تهنئة لجنرال الخراب بمناسبة حلول شهر رمضان.

وجاء في البرقية: “بمشاعر يملؤها التوقير لعظيم شخصكم والتقدير لرشيد قيادتكم.. أتشرف وهيئة الشرطة بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك.. أن أبعث لسيادتكم بخالص التهانى مقرونة بأصدق الأمانى أن يُعيد المولى عز وجل على سيادتكم هذا الشهر الكريم أعواما عديدة ومصر والأمة الإسلامية والعربية فى رفعة وازدهار”.

برقيات الدم

وتغزّل رئيس الخدم في جنرال الخراب، قائلاً: “سيادة الرئيس ونحن إذ نستقبل هذا الشهر الكريم بنفحاته العطرة التى تسمو بالأنفس وتُعليها وتسرىِّ فضائِلهُ فى الأبدانِ فتطهرها وتزكيها.. لنستلهم من فيوض بركاته معانى سامية وقيمًا غالية.. تكون حافزا لنا لمزيد من البذل والعطاء ومواصلة العمل الجاد فى سبيل رفعة ورخاء وطننا الغالي، والزود عن أمنه واستقراره فى قادم الأيام ومستقبل التحديات، وكـل عــام وسيادتكم بخير.. ومصرنا الغالية فى تقدم وازدهار وريادة”.

ووجّه وزير الخدم برقيات مماثلة إلى باقي أذرع الانقلاب العسكري، وعلى رأسهم علي عبد العال رئيس برلمان الدم، وأرسل كذلك إلى مصطفى مدبولي رئيس مجلس وزراء الانقلاب، وإلى أحمد الطيب شيخ الأزهر، وإلى الخائن محمد زكى وزير الدفاع، كما أرسلها إلى الفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وإلى محمد مختار جمعة المخبر وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب، وإلى شوقي علام مفتى الإعدامات.

وشهدت مجريات ثورة 25 يناير خروج مسيرات مؤيدة للمخلوع الراحل مبارك، مدعومةً بالبلطجية وبضباط وعناصر من قوات الداخلية، قبل تدخل الجيش تحت شعار حماية المتظاهرين، وكانت الترجمة الفعلية للشعار طي صفحة مبارك.

بالتضحية بمبارك وجد العسكر أن الشرعية عادت للشعب، وبات يمثلها الرئيس الشهيد محمد مرسي، وبالمقارنة بين المخلوع الراحل مبارك والشهيد مرسي، فالأول جاء من صلب المؤسسة العسكرية التي قامت بانقلاب 23 يوليو 1952، وكان الرئيس الرابع ضمن العسكر الذين حكموا البلد قرابة ستة عقود، ولعل الرقمين يحكيان الحكاية مع التنويه بأن عبدالناصر ومبارك حكما ثلاثة أرباع هذه المدة، والأخير حكم بمفرده نصفها.

بينما أتى الشهيد مرسي على قاعدة انتهاء حكم العسكر. واحد من الفوارق بين الحالتين أن العسكر في حالة تنحية المخلوع مبارك بدوا كأنهم يتنازلون عن سلطتهم أو جزء منها، بينما في حالة الانقلاب على الشهيد مرسي ينقضون وعدهم السابق.

بلطجية الداخلية

القوى التي تصنع فرقا في بلد مثل مصر وقفت مع المحتجين، وهي تحديدا وزارتا الداخلية والدفاع، والتذرع بالانقسام الذي برز في الشارع وأعمال العنف لا يكفي لتبرير التسرع بالانقلاب العسكري، فالجيش نفسه صبر على مبارك لمدة أسابيع مارس فيها بلطجية الداخلية مختلف أساليب التنكيل بالمتظاهرين، وأوقعوا عددا كبيرا من الشهداء في صفوفهم، ثم لاحقا عدم الاكتراث بعدد الضحايا وحرق آلاف الشهداء في اقتحام اعتصام رابعة.

الجيش تلكأ قبل أن يحسم أمره إزاء ثورة 25 يناير التي لم تكن مضمونة النتائج قبل موقفه، بينما تسرع في انقلاب 30 يونيو وهي مضمونة النتائج أكثر من سابقتها، بسبب انقلاب حملة السلاح سواء الجيش أو الداخلية على الرئيس الشهيد مرسي.

عمدت مؤسسات الدولة العميقة جميعها، ونعني بها المؤسسات المفصلية غير المنتخبة مثل القضاء والجيش والشرطة والإعلام وجهاز الدولة البيروقراطي، إلى عدم التعاون مع حكومة الرئيس محمد مرسي، ورغم الاسترضاءات التي قدمها الإخوان لمؤسسات مثل مؤسسة الداخلية والتي ارتفعت مخصصاتها إلى أضعاف ما قبل الثورة، ولذلك فإنه ليس من المستهجن الإشارة إلى وجود اتفاق غير مكتوب بين تلك المؤسسات جميعها يتضمن هدفًا واحدًا: الإطاحة بالإخوان.

كان ولا يزال جوهر انقلاب السفيه السيسي، ليس مجرد القضاء على الإخوان المسلمين، بل الأهم من ذلك العمل الدؤوب على تصفية كافة أشكال الحراك والوعي والتعبئة المرتبطة بثورة ٢٥ يناير، سواء الحركات الثورية المرتبطة بتلك الثورة، أو الحركة العمالية ومختلف الحركات الاحتجاجية والشبابية التي فجرتها تلك الثورة.

واليوم ونحن ندخل العام الثامن من الانقلاب، فعلينا أن نتجاوز تلك الحالات من ردود الفعل غير الواقعية وغير العلمية، علينا أن ندرس اللحظة السياسية الحالية بمختلف جوانبها وتناقضاتها، بحيث نتمكن من طرح استراتيجيات وتكتيكات تتناسب مع ما يتيح الواقع، وليس مجرد ما يتمناه أو يخافه الثوريون.

Facebook Comments