في 7 سنوات فقط هى عمر الانقلاب العسكري منذ 30 يونيو 2013، انتقل السفاح عبد الفتاح السيسي من الصورة التي رسمها إعلام الانقلاب "البطل المخلص" إلى الفاشل اقتصاديًا والخائن لوطنه والفاسد ماليا بالاسم والتعريف، وأن يعيد المصريون تعريف معركتهم ويدركوا أن الجيش فسدت عقيدته، بعد أن تورط في السياسة والاقتصاد، وتهاوت مقولة أن مصر تحتاج لعسكري.

وتشهد مناطق ومدن في مصر اليوم الأحد 20 سبتمبر 2020 حالة استنفار أمني قبيل موعد للتظاهر دعا إليه رجل الأعمال محمد علي، في حين تتواصل الدعوات عبر منصات التواصل الاجتماعي للنزول إلى الميادين تعبيرا عن الاحتجاج على السفاح السيسي والأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد.

فساد السفاح

وقال محمد علي في لقاء خلال نشرة منتصف الليل إن هناك احتقانا شعبيا في مصر وغضبا لم يسبق له مثيل، وأشار في حديثه من مدينة برشلونة حيث يقيم حاليا إلى أن الشعب المصري رأى مشاهد هدم المنازل في الفترة الأخيرة، وصار لا يخشى التعبير عن غضبه.

وكان محمد علي مقاولا في مشروعات للجيش المصري قبل أن يغادر البلاد ويبث سلسلة من مقاطع الفيديو وجه فيها اتهامات بالفساد للسفاح السيسي وقادة كبار في الجيش استنادا إلى فترة عمله معهم. ودعا علي المصريين إلى التظاهر في اليوم نفسه قبل عام، ولاقت دعوته استجابة في ميادين مدن عديدة في مصر، لكن سلطات الانقلاب ردت حينها باعتقال الآلاف.

وتشهد منصات التواصل الاجتماعي الآن دعوات متواصلة للتظاهر عبر هاشتاجات عدة منها "بينا وبينكم يوم عشرين"، و"تحت بيوتنا نازلين"، كما تشهد وسوما مؤيدة للسفاح تبثها اللجان الإلكترونية التي تديرها المخابرات من بينها "عمار يا مصر مع السيسي"!

وفي يوليو 2013 قبل سبع سنوات من الآن خرج السفاح السيسي بخطاب الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في مصر، الدكتور الشهيد محمد مرسي، خرج الجنرال من عتبة المقاعد الخلفية بعد أن أعد العدة وملك زمام الجيش وخضعت له الأحزاب السياسية ودعمته المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر والكنيسة، وقام بالإطاحة بالرئيس محمد مرسي الذي تم انتخابه بعد ثورة 25 يناير المجيدة، ليطيح بهذه الخطوة بكل مكتسبات ثورة يناير.

وتضمنت خريطة الطريق التي خدع بها السفاح السيسي المصريين وعود بالرفاهية والحياة الكريمة والاستقرار السياسي والاقتصادي على المصريين، وبأن مصر ستكون “أد الدنيا”، وبـ “بكرة تشوفوا مصر”، و”انتوا نور عنينا”، وغيرها من التصريحات التي أثارت سخرية المصريين خاصة بعد الأزمات المتعاقبة عليهم طيلة سنوات حكم الانقلاب.

وكشف الواقع المعاش وتوالي الكوارث والأزمات زيف هذه الوعود، حيث يعيش الشعب المصري منذ الانقلاب في دوامة من الأزمات والديون غير المسبوقة، بالإضافة إلى التفريط في مقتضيات الأمن القومي المصري في مقابل التفوق الاستراتيجي للعدو التقليدي كيان الاحتلال الصهيوني ومعه دولة إثيوبيا.

مجرد وعود

ورغم الوعود التي أغرى بها السفاح السيسي أنصاره لحشد دعمهم ضد الرئيس المنتخب، إلا أنه قام بعكس كل ما وعد بعد وصوله للسلطة، وأفقر الشعب بدل أن يغنيه، وأضاع هيبة الدولة وسيادتها، ورسخ حكمه عبر قمع المصريين وقتلهم بالشوارع والميادين.

ولعل الوعد الأبرز الذي يتذكره المصريون للسفاح السيسي هو أن تصبح مصر "دولة تانية" على حد تعبيره في 30 يونيو 2020، واليوم وبعد مرور سنوات من سيطرته على جميع أركان الدولة وجوانبها، يتساءل المصريون مجددا "أين باتت مصر الآن؟".

وتوسع السفاح السيسي في الاقتراض من الخارج منذ الانقلاب؛ فلم يترك دولة أو جهة دولية إلا واتجه إليها للاقتراض منها، بغرض تمويل مشروعات دون جدوى اقتصادية، على غرار تفريعة قناة السويس، وبناء عاصمة إدارية جديدة وقصور رئاسية فارهة، وإبرام صفقات سلاح ضخمة، في محاولة لنيل اعتراف بعض الدول بشرعيته.

وتخطى الدين الخارجي في عهد الجنرال حاجز الـ120 مليار دولار، فيما وصل الدين المحلي إلى ما يزيد عن 270 مليار دولار، وفق بيانات رسمية، ليقفز بالدين الخارجي للبلاد بنسبة تصل إلى 145%، إذ لم تتجاوز الديون الخارجية حينما تولى الحكم حاجز 46 مليار دولار.

ولم يكتف السفاح السيسي بأموال القروض الضخمة التي ورط بها البلد والمليارات التي ضختها السعودية والإمارات لدعم الجنرال عقب انقلابه على الرئيس المنتخب، إلا أنه اتجه إلى جيوب المصريين وقرر رفع الدعم وزيادة الضرائب وأسعار الفواتير والمواصلات.

وفي نوفمبر 2016، أدى تعويم الجنيه إلى زيادة معاناة الشعب بعد تدهور قيمة العملة وارتفاع سعر الدولار بشكل كبير، ليواجه المواطن موجة غلاء فاحش ضربت مختلف الخدمات والسلع.

فقر وبؤس

ولم يجد المواطن من السفاح السيسي سوى مطالبات بالصبر والتحمل حيث قال "ثلاجتي لمدة 10 سنوات ليس فيها سوى الماء"، و"أنا لو أقدر أديك هديك من عيني، بس أنا مش قادر، هتاكلوا مصر يعني، هتموتوها يعني"، ولا ينسى الشعب تصريحه الشهير "هو محدش قالكم إن إحنا فقرا أوي".

وتؤكد معطيات الواقع وتقارير المنظمات والمؤسسات الدولية انتقال مصر خلال هذه السنوات إلى "حالة دكتاتورية فجة"، تغلق أغلب منافذ التعبير، وتخنق الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية، في حين تحولت وعود الرفاه إلى سراب بقيعة، وعادت المنظومة الحاكمة للبطش بصناعها و"الثورة" لأكل "أبنائها" بعد "الخلاص" من خصومها وأعدائها، وتراجع دور مصر إقليميا ودوليا.

وافتتح السفاح السيسي عهده الأول بما وصفه حقوقيون بمجازر جرت خلال مواجهة الرافضين للانقلاب، أبرزها ما حصل في فض اعتصامي رابعة والنهضة، وراح ضحيته آلاف القتلى والجرحى، ووصفته هيومان رايتس ووتش بـ"إحدى أكبر وقائع القتل الجماعي لمتظاهرين سلميين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث".

وخلال السنوات السبع اللاحقة نكل السفاح السيسي بجماعة الإخوان المسلمين، وأودع قادتهم ونشطائهم السجون، وحولهم في وسائل إعلامه إلى مجرمين وإرهابيين قتلة، وحملهم أوزارا وآثاما كثيرة.

وأصدر القضاء أحكاما بالإعدام على المئات منهم، وشرد آلافا من منتسبيهم في أرجاء العالم، وتحولوا من حكام لمصر إلى العدو الأول لأجهزتها العسكرية والأمنية، وتوزعوا بين المنافي والسجون.

بيد أن القمع لم يقتصر فقط على التيارات الإسلامية، رغم أنه بدأ بها، بل طال لاحقا ليبراليين ويساريين ونخبا علمانية لم تساير العسكر في كل ما أراد، وامتدت لاحقا لتشمل الناشطين الذين أطلقوا ثورة يناير ضد المخلوع حسني مبارك عام 2011، ومن بين هؤلاء من وقفوا معه بقوة في انقلابه.

وعلى مستوى المؤسسات الصحفية كشف التقرير عن تعرض عشرة صحفيين للقتل، واعتقال أكثر من مئتي صحفي ما زال 66 منهم في السجون، هذا فضلا عن إغلاق أكثر من عشرين وسيلة إعلامية من القنوات الفضائية والصحف، وحجب نحو 121 موقعاً إلكترونيا بغرض الإجهاز على حرية الرأي والتعبير، وإدراج نحو 15 صحافياً وإعلامياً على قوائم الإرهاب.

إرهاب العسكر

وتصف منظمات حقوقية فترة انقلاب السفاح السيسي بأنها أسوأ فترة قمع سياسي في تاريخ البلاد الحديث، كما تتصاعد التنديدات الدولية أوروبيا وغربيا للانتهاكات القاسية والمتواصلة لحقوق الإنسان والاعدامات والقتل البطئ في السجون والمعتقلات والتصفيات الجسدية والمجازر في سيناء.

وفي سبتمبر 2018، وبعد أشهر قليلة من مسرحية إعادة انتخابه رئيساً لفترة ثانية، وقبل أسابيع من ظهور مشروع التعديلات الدستورية الذي تمّ تمريره ليضمن بقاءه في السلطة حتى 2030 على الأقل، بشّر السفاح السيسي المصريين بأنهم سيرون "دولة تانية" في 30 يونيو 2020، أي في الذكرى السابعة للتظاهرات التي دبرها السفاح ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي.

هذه التظاهرات التي خرجت بدعمٍ من الجيش والشرطة والاستخبارات المصرية، ومهدت للانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، بزعم إنقاذ شعب "لم يجد من يحنو عليه"!

حينها، قال السفاح السيسي لدى افتتاحه مجموعةً من الكباري والطرق الجديدة، التي أصبح تعددها بفائدة ومن دونها، من أسباب تندر المصريين المستمر على نظامه وأولوياته: "في 30 يونيو 2020 سنقدم دولة بشكل مختلف خالص غير اللي إنتم موجودين فيها، بجهد الدولة والحكومة والناس، وجهد ولاد مصر".

وبالفعل، يعيش المصريون اليوم في دولة تختلف كثيرا عن تلك التي صعد السفاح السيسي لحكمها فعلياً منذ 7 سنوات، وإجرائياً منذ 6 سنوات عندما استولى على كرسي الرئاسة.

توارت أحلام عديدة راودتهم ودفعتهم للحراك الثوري في يناير 2011، كالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وغابت مكاسب كبيرة معنوية وأدبية وسياسية تحققت في أول عامين بعد الثورة على مستوى الحركة السياسية وتداول السلطة واللحمة الوطنية، وعلى حساب مجالات الخدمات الأساسية التي ذاق المصريون الأمرين من إهمالها.

حصر السفاح السيسي الإنجاز في المنشآت دون المرافق، وكرّس تحكم الجيش المطلق في المجالات الاقتصادية والتنموية، وجاءت جائحة كورونا لتكشف هشاشة الوضع الاقتصادي، الذي لطالما قيل إنه تحسن واستقر، وضعف المرافق التي كانت التقارير الحكومية تتباهى بتطورها في عهد السفاح السيسي، وانهيار المنظومة الصحية التي انكشفت سوءاتها تحت وطأة تفشي الوباء.

الفجر سيشرق

ومستعيداً التصريحات السابقة الكاذبة، علق الناشط السياسي أحمد إبراهيم: "‏لا و الله ما حكم عسكر و لا فيه أي نيه و لا إرادة لحكم مصر، لن أسمح للتاريخ أن يكتب بأن جيش مصر تحرك من أجل مصالح شخصية #من_مذكرات_السيسي #نكبة_3_يولية".

وفي رؤيته لما وصل إليه الشارع السياسي المصري والعمل الحزبي والاجتماعي بعد 7 سنوات من انقلاب السفاح السيسي، قال الكاتب المصري المعارض حسن حسين: "قام السيسي بإلغاء الحياة السياسية، وجمد الأحزاب، واعتقل قادتها، وأعاد البلاد إلى ما قبل ثورة يوليو، بل أسوأ". وأكد أن السفاح السيسي "قضى على الحريات كلها، فلم يعد أحد يستطيع أن يتنفس دون أن يخاطر بنفسه وبعائلته كلها"، وتابع: "دعك من القهر الاقتصادي والاجتماعي الذي يعتصر المجتمع بمختلف شرائحه"، مؤكدا أن "مصر تعيش أسوأ مراحل تاريخها". وختم بالقول: "ولكن الفجر سيشرق قريبا؛ تلك حكمة التاريخ الذي يعلمنا أن النصر دائما للشعوب، وإن تأخر".

Facebook Comments