كتب – جميل نظمي
كتب الخبير السياسي وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، د. حازم حسني مقتالا كاشفا بجريدة التحرير أمس، بعنوان "الضبعة.. والضبة.. والمفتاح!"، تناول فيه تلاعب نظام السيسي بالمصريين وأحلامهم وطموحاتهم، عبر مشروعات وهمية تدمر كيان الدولة من جذوره.
وكتب قائلا:
لا أعتقد أن عاقلا في هذه البلاد، التي ما زلنا ندعوها مصر، رغم ما اعترى توظيف هذا الاسم من ابتذال، يمكنه أن يستريح للضربة القاسية التي واجهتها السياحة في مصر، كما لا أعتقد أن عاقلا في هذه البلاد يمكنه أن يستاء من امتلاك مصر بعضا من تكنولوجيا إدارة المفاعلات النووية؛ بيد أن عاقلا في هذه البلاد لا يمكنه أيضا أن يستريح للطريقة التي تدار بها الأمور في هذه البلاد، ولا للطريقة التي تدار بها أزماتها، ويغَيَّب بها وعى المصريين بواقعهم وبواقع العالم الذين هم جزء منه، يشكل حاضرهم ومستقبلهم -وفى كثير من الأحيان ماضيهم- دون أن يمتلكوا هم أدوات تشكيله ولا مهارات التعامل معه.

خرج علينا دهاقنة النظام ودراويشه، بما اعتدناه من أساليبهم، ليزفوا إلينا خبر الإنجاز الجديد للنظام وهو دخول مصر العصر النووي ببناء أربعة مفاعلات روسية، بقرض يسدد على 35 سنة لن تتحمل الموازنة العامة للدولة سداده، لأن المفاعلات ستسدد قيمة القرض من قيمة إنتاجها الكهربائى.. لا نعرف، والحال هذه، لماذا إذن وقع وزير المالية المصرى على وثيقة القرض إذا لم تكن الخزانة العامة مسؤولة عن سداد قيمته، ولا نحن عرفنا كيف نثق بهذه التقديرات المالية الرئاسية بعد تصريحات سابقة للرئيس بأننا قد استعدنا بالفعل تكاليف حفر تفريعة قناة السويس، ومن ثم كان الادعاء بأن حفرها لم يمثل عبئًا على مالية البلاد، ولا على أرصدتها من النقد الأجنبى؟!
دعونا أولا نبحث عن: أين توجد المشكلة -أو حزمة المشكلات- التي ترتبط بهذا التوقيع قبل أن نشارك دهاقنة النظام ودراويشه فرحتهم بحفل التوقيع.. وأول موضع إشكالى هو في معرفتنا بطبيعة ما تم توقيعه، هل هو عقد؟ أم اتفاقية؟ أم مذكرة تفاهم؟! فقد ذكر الرئيس في خطابه أنها اتفاقية، ثم عاد مرة أخرى ليصفها بأنها عقد، وهناك مواقع إخبارية ذكرت أنها مذكرة تفاهم، وذكرت أخرى أنها اتفاق مبدئى!

الحقيقة تبقى غائبة في ظل حالة التعتيم على طبيعة ما تم التوقيع عليه!
الموضع الإشكالى الثانى هو عدم معرفتنا بتفاصيل ما تم التوقيع عليه أيًّا كانت طبيعة الوثيقة وتكييفها القانوني والإجرائى؛ فقد ذكر الرئيس في كلمته، وبعد برهة من التردد والتفكير، أنه لا يريد الخوض في تفاصيل "العقد"! ومن ثم فنحن لا نعرف قيمة المشروع المالية، ولا ما إذا كان القرض الروسى سيغطى كل تكاليف المشروع أم سيغطى فقط الجزء الذى سيقوم به الجانب الروسى؛ وفى حالة عدم تغطية القرض للأعمال المصرية، فمن الذى سيغطيها؟ وما العبء الذى ستتحمله الخزانة العامة؟ وكيف؟ وأين هي دراسة الجدوى الاقتصادية التي تبين كيف سيتم سداد قيمة القرض؟ وهل هذا السيناريو المتفائل الذى افترضه الرئيس سيقتضى رفع أسعار الكهرباء في مصر؟ وهل سيكون هذا محتمَلًا اجتماعيا من خلال علاقة مستقبلية مفترضة بين الدخول والأسعار؟ وما هي؟
الموضع الإشكالى الثالث يتعلق بالهدف من توقيع ما تم التوقيع عليه في هذه الأيام الصعبة التي أشار إليها الرئيس في بدء كلمته، فقد قال نصا إن "الهدف من التوقيع النهارده رسالة أمل وعمل وسلام.. لينا ف مصر وللعالم كله".. التوقيع إذن كانت له أبعاده السياسية المحلية والدولية، وهو ما يجعل التوقيع بمثابة حشد للرأي العام المصرى وراء الرئيس -كما ظهر في غير موضع من خطابه- ثم هو استرضاء للجانب الروسى بعد موقف روسيا المتشدد من مصر بعد سقوط الطائرة الروسية في سيناء، وما صاحب ذلك من إدانة لإجراءات أمن المطارات -بل وأمن الطيران- في مصر!

هذا البعد السياسى يكشف بوضوح أن النظام قد سارع للتوقيع مدفوعا بالضغوط التي صارت تمثلها عليه الأوضاع الداخلية والدولية وردود الفعل الروسية الأخيرة.
الإشكالية الرابعة هي أننى أخشى أن يكون الرئيس قد اتبع نفس الاستراتيجية التي دفعته لتوقيع اتفاقية الخرطوم، وهو ما عده كثير من المتخصصين سذاجة مكنت الجانب الإثيوبى من الاستخفاف لاحقا بالمفاوض المصرى.. الجانب الروسى -بكل تأكيد- يفصل تمامًا بين مصالحه الاقتصادية ومواقفه الاستراتيجية العظمى، وقد ظهر هذا واضحا في تعامل روسيا مع أوكرانيا، ومن توقيعه مذكرات تفاهم مع الأردن لإقامة مفاعلات نووية، رغم أنه ليس على وفاق استراتيجى لا مع أوكرانيا ولا مع الأردن! والسؤال الذى يلح الآن على أي عاقل متابع للأزمة المصرية الروسية هو: هل يظن الرئيس المصرى أنه باتفاقه مع روسيا على بناء محطة الضبعة سيدفع الرئيس بوتين للتخلى عن حق روسيا في اللجوء إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؟
هل يعتقد أنه -بهذا التوقيع، وبلغة الاستمالة التي وظفها في كلمته- يمكنه احتواء غضب الدب الروسى الذى لا يعلم إلا الله إلى أين يمكن أن يصل مداه؟ هل يتصور أنه بهذه الاستراتيجية يمكنه إعادة السياحة الروسية لمصر التي أغلقت أبوابها بالضبة والمفتاح؟ هل أدت هذه الاستراتيجية "محلية الصنع" لدفع الإثيوبيين لمراجعة مواقفهم من مصر كى تدفع الروس في نفس الاتجاه؟
يصل بنا هذا إلى الإشكالية الخامسة والأخيرة في هذا المقال وهى أن السنوات القادمة التي ستشهد بناء المحطة النووية المصرية -ويقدرها موقع "روسيا اليوم" باثنتى عشرة سنة- هي سنوات سيتغير خلالها شكل العالم وشكل المنطقة.. روسيا -وهذا أمر لا يشينها- إنما تبحث عن مصالحها فى هذا العالم الذى يتغير، فهى تفكر للمستقبل، لا للحظة الحاضر العابر، وستبقى مصر -فى كل الأحوال- مهمة لروسيا كما هي مهمة لغيرها من دول العالم.. هذا فى ذاته يثير القلق أكثر مما يثير الفرحة، فنحن فى بؤرة اهتمام عالم يتصارع، ولا أدرى ما قدرة نظام بكل هذا الضعف والارتباك وغياب الرؤية على التعامل مع كون مصر بكل هذه الأهمية؟
عفوًا، لكن حديث الرئيس عن أن مصر تبحث عن الطاقة النووية فقط للأغراض السلمية، وإن كان حديثا طيبا، إلا أن العالم لا يتعامل فى الشأن النووى بالأحاديث الطيبة وحدها، ولا هو يأبه بها أصلًا، فقد ظلت إيران تؤكد سلمية برنامجها النووى، ومصر لا تقل فى أهميتها الاستراتيجية عن إيران -إن لم تزد- ولا بد أن نعى أننا سنخضع حتمًا
-بسبب برنامجنا النووي أيًّا كان حجمه وأيًّا كانت طبيعته- لضغوط دولية ولتفتيش دولى صارم، ويعلم الله وحده إلى أية نتائج ستنتهي فرق التفتيش الدولية في تقاريرها التي ليست دائمًا فوق مستوى الشبهات!
ومرة أخرى، إذا كنا لم نحسن التعامل مع أزمة إجراءات الأمان في مطاراتنا، فكيف سنتعامل مع التدخلات الدولية المعقدة ونحن بكل هذا الارتباك؟

مصر دولة مهمة للعالم، لكن نظامها ليس بكل هذه الأهمية التي تجعل العالم حريصًا عليه، وهذا هو ما يقلق عندما نتصور أن أساليب النظام المغرقة في المحلية يمكنها عند تعامله مع ملف الضبعة أن تكون مفتاح الحل لأوضاع استغلقت عليه استغلاق الضبة والمفتاح! 

Facebook Comments