كتب: أسامة حمدان

 

لم ينج حتى القضاة من مقصلة انتقام الانقلاب العسكري من رافضيه، فبين تأديب ، وفصل وإحالة للمعاش انتهى الحال بنحو 60 قاضيًا حملوا على عاتقهم رفض الانقلاب العسكري والاستيلاء على التجربة الديموقراطية للدكتور محمد مرسي منذ 3 أعوام.

 

وكأن التاريخ يعيد نفسه ، فما أشبه انقلاب عبد الفتاح السيسي بانقلاب جمال عبد الناصر الذي نفذ عام 1969 مذبحة للقضاة شملت عزل نحو 200 قاضيًا. 

 

إفطار العدالة

 

وبحسب تقرير لرويترز فإن القضاة الذين طالهم انتقام السيسي كانوا تجمعوا في مساء 21 يوليو عام 2013 بمطعم مركب أرمادا عند ضفة النيل في حي المعادي الراقي بجنوب العاصمة المصرية، كان بعضهم من أرفع المناصب القضائية في مصر وكانت المناسبة إفطارا رمضانيا، وتداول الرجال فيما بينهم وهم يتناولون الكباب والطحينة في مسألة تولي الجيش مقاليد الأمور وما صاحب ذلك من أحداث قبل ثلاثة أسابيع.

 

واقترح القاضي محمد ناجي دربالة إصدار بيان يندد بما وُصف بالانقلاب والاستيلاء على السلطة، ودعت مسودة البيان التي صاغها في ذلك المساء إلى العودة إلى "الشرعية الدستورية" متمثلة في الحكومة المنتخبة لكنها تحاشت توجيه انتقادات مباشرة للجيش أو المطالبة بإعادة مرسي.


75 قاضيًا

 

وفي نهاية المطاف بلغ عدد القضاة الموقعين 75 قاضيًا. وقرأ أحد كبار القضاة الوثيقة في مؤتمر صحفي في 24 يوليو.

 

وعلى مدار السنوات الثلاث التي انقضت منذ ذلك الحين تم عزل أكثر من نصف القضاة الموقعين من مناصبهم في إطار ما يقولون إنها حملة من جانب السيسي لإخضاع القضاء لرقابة حكومية مشددة.

 

وتبين سجلات قضائية أن اللجان التأديبية التي شكلها مجلس القضاء الأعلى أحالت 59 قاضيا للتقاعد من بينهم 32 من القضاة الذين وقعوا بيان مطعم أرمادا، وعدل بعض القضاة الموقعين عن موقفهم ولم يعرضوا على لجان تأديبية.

 

ومن سلطة اللجان التأديبية توجيه اللوم للقضاة أو نقلهم إلى مناصب أخرى أو إحالتهم للتقاعد أو تبرئتهم من الاتهامات المنسوبة لهم. وبعد صدور قرار اللجنة يعتمده السيسي.

 

واستندت قرارات عزل معظم القضاة التسعة والخمسين إلى بند قانوني يمنع اشتغال القضاة بالعمل السياسي.

 

مذبحة قضائية

 

يقول المستشار ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض، وأحد القضاة المعزولين: إن "الإجراءات التي اتخذت ضد القضاة اتسمت بالتعسف والظلم والتعنت أفضت إلى محاكمتهم تأديبيًا وانتهت تلك المحاكمة بمذبحة قضائية جديدة".

 

وأضاف :" إن هذه المحاكمة ذات صبغة سياسية استهدفت إرهاب سائر القضاة والحيلولة بينهم وبين التعبير عن رأيهم وأُهدرت فيها كل الضمانات القانونية للمحاكمات العادلة وصودرت فيها كل حقوق الدفاع التي كفلها الدستور والقانون، فلم يُمكّن أي من هؤلاء القضاة من مجرد إبداء دفع أو دفاع وصدر الحكم عليهم دون أن ينطق أيهم ببنت شفة، مؤكدًا أنها تضاف إلى سجلات مذابح القضاة بعهد عبدالناصر والمخلوع مبارك.

 

الزند السياسي

 

وكان المستشار أحمد الزند هو القاضي الذي صاغ الشكوى الأولى من الموقعين على بيان مطعم أرمادا، وحتى عام 2015 كان الزند رئيسا لنادي القضاة وكان شديد الانتقاد للرئيس الشرعي محمد مرسي خلال فترة رئاسته كما أيد السيسي علانية بعد أن أمسك الجيش بزمام الأمور، وهو اشتغال واضح بالسياسة.

 

وعين السيسي الزند وزيرا للعدل في 2015، كما عزله في مارس الماضي بعد أن أثار عاصفة من الاحتجاجات بقوله في لقاء تلفزيوني على الهواء إن "من يخالف القانون يستحق السجن حتى ولو كان النبي محمد".

 

وتحظر المادة 73 من قانون القضاء المصري على القضاة الاشتغال بالسياسة وتمنع أعضاء القضاء الذين ينظرون القضايا من إبداء الآراء السياسية.

 

لكن كثيرين من القضاة الذين عزلوا من مناصبهم يقولون إن "القانون يسمح للقضاة بالتعبير عن الآراء السياسية بصفتهم مواطنين عاديين بشرط ألا يسعوا لشغل منصب عام أو الانضمام لحزب سياسي".

 

مذبحة عبد الناصر 

 

في 31 أغسطس 1969، في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، تم عزل رئيس محكمة النقض، وأكثر من نصف مستشاريها، وناهز عدد القضاة المعزولين نحو مائتي قاضٍ من القضاة المتمتعين بحصانة عدم القابلية للعزل بغير الطريق التأديبي وفقًا للقانون، وأطلق على تلك الأزمة "مذبحة القضاة".

 

وكان وراء هذا الأمر سبب غير مباشر، وهو هزيمة يونيو 1967 وما تبعها من آثار نفسية وعصبية على القيادة السياسية، وعلى من كانوا على صلة بها من أعضاء التنظيم السري الطليعي في الاتحاد الاشتراكي، وكان بعض رجال القضاء ومجلس الدولة منخرطين في هذا التنظيم كما تبين فيما بعد، وكان بعضهم يكتب التقارير السرية عن زملائه إلى القيادة السياسية يوميًا بما كان يدور من أحاديث في نادي القضاة، ومجالس القضاة الخاصة؛ حيث كانت هذه مهمة أعضاء ذلك التنظيم، وبهذا الأسلوب بدءوا في إثارة غضب الرئيس جمال عبدالناصر بصورة متصاعدة ضد القضاة.

 

Facebook Comments