ريهام رفعت

"أختي الناخبة وِسْطك أمانة لا تهزيه إلا لمن يستحق" واحدا من الهاشتاجات الساخرة التي تناولت ظاهرة الرقص أمام اللجان الانتخابية التي كان بطلها عدد من ربات البيوت والمُسنات في مشهد غريب على الشعب الذي وصف بأنه متدين بطبعه، وهو المشهد الذي استغله إعلام الانقلاب فمنحه مساحة من التغطيه ليُلهي به مشاهديه عن فشل اليوم الأول من انتخابات رئاسة الدم التي كشفت عن عزوف ومقاطعة الشعب الذي سبق وأن راهن عليه قائد الانقلاب أمام العالم.

لم يقتصر ماراثون الرقص على العوام فحسب بل شاركهن فنانات وإعلاميات شهيرات، كما شاركت نساء حزب النور أيضا في الرقص مرتديات النقاب والزي الشرعي! 

 

تجدر الإشارة إلى أن الرقص أصبح السمة البارزة لاحتفالات مؤيدي الانقلاب بعد 30 يونيو وهو ما ظهر جليًا في استفتاء الدم الذي أجري في يناير 2014 حيث كان الرقص هو سيد الموقف، حتى قبل أن تفتح لجان الانتخابات الرئاسية أبوابها حيث بدأت النساء بالزغاريد والرقص ووجدنا لأول مرة زوجا يتباهى بأن زوجته لم ترقص له –وحده- مطلقًا ولا حتى يوم عرسهم، لكنها رقصت أمام لجنة الاستفتاء على الملأ على أنغام تسلم الأيادي! كما شاهدنا أبًا يصفق لابنته التي تتمايل على نغمات الأغنية -ذات الإيقاع السريع- وهكذا أصبح الرقص هو أبرز عناوين استحقاقات انقلاب يونيو الانتخابية.

 

ومن أبرز التقارير التي تناولت ظاهرة الرقص في رئاسة الدم هو التقرير الذي صدر مؤخرًا عن المركز الحقوقي "مؤسسة عالم واحد" والذي أكد أن مراقبي المركز رصدوا انتشارا واسعا للرقص الشرقي أمام اللجان على أنغام أغاني تسلم الأيادي وبشرة خير. وذكر المركز في بيانه الثاني حول مراقبته للعملية الانتخابية أن المراقبين لاحظوا انتشار سيارات بمكبرات صوت تجول أمام اللجان تشدوا بالأغاني التي يرقص عليها الناخبون أمام وداخل اللجان، وذلك مع إطلاق الزغاريد في لجان السيدات بشكل واضح وكبير .

 

وضرب المركز مثالا بما تم رصده من رقص الناخبين على نغمات تسلم الأيادي وبشرة خير داخل وخارج لجنة عباس العقاد الثانوية الصناعية بنات بالقاهرة وطائرة تتبع للداخلية تلقي عليهم الحلوى. وتابع التقرير: "كانت هناك زغاريد وأغان ورقص داخل وخارج لجنة علي بن أبي طالب بالمعادي، واحتفالات بصورة كبيرة داخل وخارج لجنة إدارة شرق المنصورة التعليمية بالدقهلية، وكذلك مكبرات صوت وأغان وزغاريد ورقصات أمام لجنة النور للمكفوفين بالمهندسين بالجيزة".


وعلى مدار الأسابيع الماضية كان الرقص هو المشهد الأبرز في المؤتمرات الشعبية التي نظمتها حملة قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ولم يكن الرقص في هذه المؤتمرات للنساء فقط بل كان يشاركهن الرجال أيضًا. 

أحضان وقبلات

وفي الحقيقية لم تكن وصلات الرقص أمام اللجان الانتخابية، هي المشهد الوحيد الغريب على عادات وتقاليد المجتمع المصري وإنما شاهدنا ظاهرة أخرى تتنافى مع طبيعة هذا المجتمع الشرقي المحافظ ألا وهي ظاهرة القبلات والأحضان بين الرجال والنساء أمام اللجان الانتخابية، وكان من أبرز مشاهد القبلات والأحضان، مشهد وزير داخلية الانقلاب مع إحدى النساء أثناء وجوده في إحدى اللجان الانتخابية، هذا فضلًا عن مشاهد تقبيل النساء لعساكر الجيش.. 

كما رصدت الكاميرات أيضًا صورًا لامرأة ترقص على أنغام "بشرة خير"، وتُقبل رجلًا خارجًا من لجنته الانتخابية، وأخرى تتوشح علم مصر وتوزع القبلات على الناخبين أثناء دخولهم أو خروجهم من لجنة الانتخاب!

 

 

وفي خضم هذا المشاهد الغريبة على مجتمعنا تناولت مواقع التواصل الاجتماعي هذه المشاهد بسخرية مصحوبة بغضب على الحال الذي وصلنا إليه من تدنٍ قيمي وأخلاقي في ظل الانقلاب العسكري، حيث علق أحد النشطاء قائلًا: "هي دي مصر اللي عايزها السيسي.. هو ده حضن الوطن اللي قال عليه.. يبدو أن هناك أبوشن جديد.. المرة دي في بوس وأحضان".

كما تداولوا شخصية "سي السيد" من خلال تعليق مصور كتب عليه "مش هتنزلي تصوتي يا أمينة؟ فكان ردها مبعرفش أرقص يا سي السيد".

 

من جانبهم اعتبر خبراء نفسيين وإعلاميين أن مشاهد الرقص والأحضان والقبلات التي شهدتها انتخابات رئاسة الدم ومن قبلها استفتاء الدم إنما يؤكد أن انقلاب يونيو لم يكن فقط انقلابًا عسكريًا, وإنما هو انقلاب على قيم وأخلاقيات المجتمع أيضًا، مؤكدين أن احتفاء إعلام الانقلاب بهذه المشاهد المبتذلة ما هي إلا محاولة رخيصة ويائسة لتسويق صورة مزيفه عن إقبال المصريين وفرحتهم بعدما فضحهم المصريون بمقاطعتهم للانتخابات. 

 

انحراف أخلاقي

في البداية أكد د. رشاد لاشين -الخبير النفسي والتربوي- أن مشاهد الرقص والقبلات والأحضان أمام اللجان الانتخابية، إنما تعبر عن حجم ما أصاب المجتمع من تدنٍ أخلاقي وقيمي جراء هذا الانقلاب العسكري الذي لم تقتصر تبعاته الكارثية عند حدود ما نشهده من انتكاسة في الحريات وحقوق الإنسان ورِدّة صريحة عن أهداف ثورة يناير، وإنما كان من أبرز تبعاته السيئة أيضًا هذا الانحراف السلوكي والأخلاقي وهو ما يؤكد أن الانقلاب العسكري لم يكن انقلابًا بأهداف سياسية فحسب بل كان انقلابًا على القيم وأخلاق هذا المجتمع. 

 

د. رشاد لاشين: مشاهد الرقص ترجمة واضحة للانهيار الأخلاقي الذي أصاب المجتمع بعد الانقلاب

Facebook Comments