إنها الثقة فى الله

- ‎فيمقالات

 

بقلم: عامر شماخ

 

اقلق.. اضطرب.. لا تنم الليل.. بل خض فى أعراض خصومك، وأعلِ صوتك بالصياح على من حولك، واضرب من شئت، واشتم من شئت.. فما النتيجة؟! هل انحلَّت عقدك، أو شُفى مرضك، أو ارتقيت فى منصبك، أو تحسنت السوق فربحت الصفقة؟

أبدًا والله؛ لم يحدث شيء من هذا، بل صرت أكثر قلقًا وحدة، وجفاك النوم، وها هو صدرك يصرخ بالآلام، ورأسك يملؤه الصداع، وصرت تكره الناس ويكرهونك، واسودت الدنيا فى عينيك حتى بت تقول كالتائه: من أنا؟! ولماذا خُلقت؟!

إن هذا حال من لم يرض بما قسم الله، وحال من ينسى أن الأمر كله بيد الله، الضر والنفع، والخير والشر {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} [الأعراف: 188].

إن الله يملك السموات والأرض وما فيهما ومن فيهما، ولن يغير اضطرابك واعتراضك من أقداره شيئًا، بل لن تجنى سوى المقت، ولن يكتب لك التوفيق.. وسوف تسعى فى الأرض حيران لا يهدأ لك بال ولا يقر لك قرار.

آمن يا عبد الله أن عليك الجهد والله يتولى النتائج، وفى كل الأحوال ارضَ بما كتب لك؛ فإنك لا تدرى أين الخير وأين الشر {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

لا تبكِ على ما وقع، بل كن قوى الهمة، شديد المراس، ذا عزيمة ومضاء، أجبر المكسور.. لكن لا تجلد ذاتك وتحمِّلها ما ليس من شأنها.

أقول لك: كن كحبر الأمة عبدالله بن عباس، فقد عمى فى أواخر عمره فما نقص ذلك من (معنوىاته) شيئًا ولم يبك لفقد هذه الحاسة المهمة، بل نظر إلى نعم الله الأخرى عليه، فعدها فإذا هى كثيرة، ووجد من بينها ما يعوض نور عينيه، فانطلق ىقول:

إن يأخذ الله من عينىّ نورهما ** ففى لسانى وسمعى منهما نور
قلبى ذكى وعقلى غير ذى دخل ** وفى فمى صارمٌ كالسيف مأثور

إنها الثقة فى الله.. وإنه الإيمان الذى يرىح القلب والجسد معًا.

الله ناصرك ووكيلك، إن رضيت بما قسم لك، فلا تحزن إذًا على ما ضاع منك، أو حُرمت منه، بل قل كما قال نبيك صلى الله عليه وسلم عند الشدة وساعة الكرب: «… إن لم يكن بك غضب علىَّ فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة؛ من أن ينزل بى سخطك، أو يحل علىّ غضبك.. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».

نعم.. هذا هو الأسلوب الصحيح للتعامل مع الشدائد والهموم، فإن ذلك يخفف وطأتها، ويذهب عنك حزنها، ويجعلها هينة فى عينيك.. واسمع لقول الشاعر محمد مصطفى حمام:

علمتنى الحياة أن أتلقى ** كل ألوانها رضا وقبولا
ورأيتُ الرضا يخفف أثقا ** لى ويلقى على المآسى سدولا
ضل من يحسب الرضا هوانًا ** أو يراه على النفاق دليلا
فالرضا نعمة من الله لم يسـ ** عد بها فى العباد إلا القليلا
والرضا آية البراءة والإيمـ** ان بالله ناصرا ووكيلا

لقد استثقل بعض الصحابة ما جرى عليهم من تعذىب وإيذاء من قبل المشركين، وضاقت نفسه بذلك، فكأنه عاتب القدر؛ إذ كيف يحدث لهم ذلك وهم الفئة الموعودة بالنصر.. أما النبى صلى الله عليه وسلم فقد ثبت هذا الصحابى، ثم وضع له -ولجميع المسلمين- النقاط فوق الحروف فى هذه المسألة، إذ المسلم مخلص صبور، مستبشر بالنصر، يرضى بقضاء الله ولا يتمرد على قدره.

يقول الخبر: «جاء خباب إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وكانت مولاته تكوى ظهره بالحديد المحمى، فضاق بهذا العذاب، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم فى ألم: ألا تدعو لنا؟ -كأنه يستبطئ سير الزمن- فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقال: ((إن الرجل قبلكم كان يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، وينشر بالمنشار فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، والذى نفسى بيده ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه.. ولكنكم تستعجلون)).

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها