إضاءات حول إمامة المتغلب

- ‎فيمقالات

 

بقلم: د. فتحي أبو الورد

 

مسألة الانقلابات العسكرية على الحكومات الشرعية المنتخبة الممثلة لإرادة الشعب فى العصر الحديث عُرفت لدى فقهاء السياسة الشرعية القدامى بما أسموه بإمامة المتغلب.

 

وقد اعتبر بعض الفقهاء أن التغلُّب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقرَّ للمتغلب الوضع، ودان له الناس، وهذا ما فعله عبد الملك بن مرْوان، بعد انتصاره على ابن الزبير رضي الله عنه، وقد أقرَّه الناس، ومنهم بعض الصحابة: مثل: ابن عمر وأنس بن مالك وغيرهما، حقنًا للدماء ومنعًا للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم.

 

والحق أن التغلب ليس طريقًا شرعيًّا للوصول للحكم، إنما هو طريق اللصوص والقتلة وقطاع الطرق، للقفز على أعلى ولاية فى الدولة؛ وهى ولاية الرئاسة التى تضاهى الإمامة العظمى، وإنما هو اعتراف بالواقع إذا حدث، ونزول على حكم القوة والضرورة عن غير رضا أو إرادة، وأن قبوله إنما هو قبول المضطر، كمن يقدم مضطرًا على أكل لحم الميتة أو شرب الخمر إذا تعرض للهلاك من باب الضرورات تبيح المحظورات.

 

وتبقى نظرة الفقهاء والمسلمين إليه على هذا النحو، حتى يتسنى لهم تغيير هذا الواقع الخاطئ، ريثما تتهيأ الأسباب وتسنح لهم الفرصة لتغييره، ويرى الفقهاء أن السعي واجب دائمًا لإزالة إمامة المتغلب عند الإمكان، ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها، هذا من ناحية.

 

ومن ناحية أخرى فإن ما ورد عند الفقهاء القائلين بعدم الخروج على الحاكم المتغلب اشترطوا أن يكون قد استقر له الأمر، واستتب له الحكم، وتمكن من الإحكام على مفاصل القوة، فيصبح الخروج عليه دون قوة مكافأة ضربًا من الانتحار، وتعريضًا للنفس للهلكة دون ثمرة ترجى، وخوضًا فى بحار من الفتن والفوضى، تسيل فيها الدماء ويضطرب معها الأمن.

 

كما قيد الفقهاء ذلك بما إذا كان في صرفه عن الإمامة فتنة لا تطاق، فإن لم يترتب على صرفه فتنة أو كان في صرفه أخف الضررين؛ وجب صرفه عن الإمامة وإخراجه منها، فلماذا نتوهم دائما أن التسليم لإمامة المتغلب هو أخف الضررين، وليس صرفه هو أخف الضررين؟

 

وهناك من لا يجيزون الخروج على الحاكم الذى وصل بالتغلب، حتى لو كان ظالما أو فاسقا، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، أقول: إن ترديد مثل هذا القول أبد الدهر لا يخدم إلا الظالمين والمستبدين، كما يعد البوابة الخلفية التى يعبر من خلالها من يريد الوصف بالتغلب، ما دام هذا هو المخدر الذى سيهدئ أعصاب المسلمين، والرأى الفقهي الذى سيسكت صوت الحيارى المتسائلين.

 

للأسف ترديد مثل هذه الآراء اليوم نوع من التقنين لأوضاع الظالمين والمستبدين بمستند من الفقه، وعهد أمان مسبق من الفقهاء للمتغلبين، وإغراء لكل من يأنس من وضعه قوة بالتغلب على إراداة الشعوب الحرة، ومباركة فقهية باسم الشرع للظلم والظالمين، وشرعنة لتخطى إرادة الأمة باسم التغلب، والرضوخ للواقع، وقتل لروح التغيير والمقاومة والإنكار للمنكر فى حياة الناس.

 

ثم إن كان هذا الذى تغلب جاء ليزيل ظالما ويصلح، فليعد الأمر إلى إرادة الأمة وهى تختار، إن رأت فيه خيرا فبها وإلا فلا، وإن كان متغلبا لرغبة وهوى وتسلط فلم يتغير وصفه عمن سبقه، إذ المحصلة استبدال ظالم بظالم، فيبقى تغييره ونصب الحاكم العادل هو المفُتَى به، متى وجدت الشعوب فى نفسها القدرة على تغييره حتى لا تستكين الأمة لمخدر التغلب وتدمنه، وتعتاده وترتضيه، وتنطفئ فى حياتها جذوة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتركن إليه باعتباره حلا فقهيا له وصف الشرعية، ويتحول الأمر من النظر إلى التغلب على أنه حالة طارئة ووضع مؤقت إلى حالة دائمة ووضع مستقر، وهذا ما يفسر لنا الاتجاه الجبرى فى الحكم منذ مئات السنين من تاريخ أمتنا.

 

ولعل ترديد هذا الرأى فى الفقه السياسى الإسلامى دون وضع ضوابط له كان أحد أسباب تأخر الشعوب المسلمة فى نيل حرياتها، والعمل على استعادة كرامتها وبناء نهضتها.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها