التاريخ الحربي ومستقبل الجيوش العربية

- ‎فيمقالات

 

بقلم: د. عادل سليمان

 

تأتي التحولات العالمية الكبرى عادةً نتيجة حروبٍ كبرى، وتكون للمنتصر الكلمة العليا في شكل النظام العالمي، والضوابط التي تحكم العلاقات الدولية، فقد كان فتح القسطنطينية، في العام 1435، بداية لعصر جديد، وبلغ الأمر بمؤرخين القول إن فتح القسطنطينية كان إيذاناً بنهاية العصور الوسطى وبداية العصر الحديث.

وكان انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، والهزيمة الساحقة التي تعرّضت لها دولة الخلافة العثمانية، قد أدت إلى توقيع معاهدة لوزان عام 1923، والتي تنازل بمقتضاها مصطفى كمال أتاتورك عن كل الأراضى العثمانية غير التركية. وكان قد تم إخضاع المنطقة العربية التي كانت تحت السيادة العثمانية للترتيبات التي حددتها اتفاقية سايكس – بيكو. وهكذا أسفرت الحرب عن سقوط قوى، وصعود أخرى، وانهيار دول، وقيام دول ودويلات جديدة، وسيادة النفوذ الأوروبي الاستعماري، خصوصا الأنجلو- فرنسي على المنطقة العربية. أما الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، والتي انتهت بانتصار الحلفاء، فقد أدت إلى تشكيل نظام عالى جديد تحكمه قوى عظمى جديدة، بعد بداية أفول نجم قوى الاستعمار القديم، وأيضاً انهارت دول، وقامت دول، وتغيرت نُظم، وتبدلت تحالفات.

وتستمر التحوّلات الكبرى، والمحدودة، مرتبطةً بالحروب الكبرى، والمحدودة، والمنتصر دائماً هو من يفرض إرادته. من هنا، كان الاهتمام بدراسة التاريخ الحربي وتحليله في كل المؤسسات والمراكز المعنية بدراسات الدفاع ومراكز صنع القرار.
وكان أهم متغير في عالمنا العربي، كأحد نتائج الحرب العالمية الثانية، هو قيام دولة العدو الإسرائيلى فيفلسطين. وكان ذلك بدايةً لعصر جديد، تحكمه توازناتٌ جديدة، كانت الكفة العربية في تلك التوازنات، للأسف الشديد، هي السفلى، لسبب موضوعي، هو أن العرب لم يعرفوا أبداً كيف يكتبون التاريخ الحربي، ولا كيف يدرسونه ويتعلمون منه تحديد الأهداف ووضع الإستراتيجيات، وحشد الإمكانات والقدرات، الاقتصادية والعلمية والبشرية، وتطويعها، لبناء القوة العسكرية القادرة على الردع أو الفعل، بما يضمن تحقيق الهدف/ الأهداف الوطنية والمحافظة عليها.

فعلى الرغم من أن مصر، وهي أكبر الدول العربية، خاضت في ربع قرن، من 1948 وحتى 1973، خمس حروب كبرى، ضد العدو الإسرائيلي، وعاشت في حالة حرب، أو الاستعداد للحرب، من 1948 وحتى 1982، عندما تم تنفيذ معاهدة السلام التي تم بمقتضاها إعلان انتهاء حالة الحرب، إلا أن الباحث التاريخي المدقق لا يجد سبيلا لدراسة تلك الحروب، لاستخلاص دروسها، إلا من خلال وثائق أجنبية، ومنها التي ينشرها العدو الذي كنا نحاربه. وعند البحث عن مصادر وطنية، لا يجد الباحث إلا النزر اليسير من المذكرات الشخصية لبعض القادة يغلب عليها طابع السير الذاتية، أو الدفاع عن مواقف شخصية، فلا وثائق رسمية تسجل الوقائع والمواقف وسير العمليات، أو تحليلات ودراسات متخصصة، تخضع لمنهج علمي يمكن الاعتداد بها، والأمثلة كثيرة، فإذا حاولنا دراسة حرب 1948 لا نجد سوى كتاب محمد حسنين هيكل "جيوش وعروش" الذي يضم وثائق عن سير العمليات، توفرت للمؤلف بحكم علاقته بالرئيس جمال عبد الناصر. وإذا انتقلنا إلى حرب 1956، لن نجد سوى كتابات سياسية تُشيد بالنصر السياسي لعبد الناصر.

أما حرب يونيو 1967، فهي كتاباتٌ تركزت كلها حول تصفية حسابات شخصية، ولعل الجهد الوحيد الجاد هو إصدار الفريق أول محمد فوزي مذكراته حول حرب الثلاث سنوات، من 1967 إلى 1970. وجاءت حرب أكتوبر 1973، أعظم حروب الجيش المصري في تاريخه الحديث، وعلى الرغم من مرور 44 عاما عليها، فقد تم اختزالها فى أمرين، الأول في حقبة أنور السادات، لم يكن هناك ذكر سوى لقرار الحرب التاريخي، ثم وعلى مدى ثلاثين عاما من حكم حسني مبارك تم اختزال الحرب فيما تعرف بالضربة الجوية (!)، وحتى الدراسات الأجنبية لم يكن من السهل الحصول عليها، ولم تكن متاحةً في مصر، وكان الباحث يعاني مصاعب جمة في الحصول عليها.

المشكلة أكثر تعقيدا من مجرد نقص الوثائق أو المعلومات، فهي ترتبط أساساً بمستقبل الأمة، ومحور الارتكاز الرئيسي لأمنها القومي، وهى القوات المسلحة وإعدادها لحروب المستقبل التى تعتمد على العلم والدراسة والإبداع الفكري والتاريخ في مقدمة العلوم التي تلهم الفكر العسكري وتثريه. وحان الوقت الذي ننزع فيه لافتة "ممنوع الاقتراب والتصوير" عن تاريخنا الحربي، على أقل تقدير بالنسبة للباحثين الجادين بضوابط موضوعية، خصوصا وأن المنطقة العربية تعيش حالةً من حالات الحرب المفتوحة، ذات الطبيعة الخاصة التي تُعرف بالحرب اللاتناسقية "Assymetrical" التي تخوضها الجيوش النظامية للدول، في إطار "الحرب على الإرهاب"، وما قد تفرضه تلك الأشكال من الحروب من تغييراتٍ على طبيعة تنظيم الجيوش النظامية، وعقائدها العسكرية والقتالية "military doctorens"، ما قد يؤثر سلباً على قدراتها العسكرية لخوض الحروب الكبرى ضد جيوشٍ نظاميةٍ حديثة، وهو ما قد يُمثل تهديداً للأمن القومي لتلك الدول على المدى البعيد.

وفي هذا الإطار، علينا تقييم زيارة وزير الدفاع الأميركي الجديد، الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس، إلى السعودية ومصر وإسرائيل وقطر وجيبوتي، في أول زيارة له إلى المنطقة، مع الوضع في الاعتبار أن ماتيس، باعتباره وزيرا للدفاع، هو المنوط به تنفيذ الإستراتيچية الأميركية الجديدة للشرق الأوسط التى أعلنها الرئيس دونالد ترامب، والتي ترتكز على استعادة النفوذ الأميركي في المنطقة، عبر إعادة تأهيل الجيوش الحليفة، ودعمها تقنياً. لتكون قادرةً على خوض العمليات اللاتناسقية، وحروب العصابات منخفضة المستوى، ضد التنظيمات والحركات المتطرفة، والإرهابية، مع الاحتفاظ بالقوة الأميركية الفائقة القدرات، كقوة ردع، بالضربات الرئيسية الجوية، والصاروخية، عن بعد، ومن دون التورّط فى عملياتٍ بريةٍ قد تستدرجها إلى مستنقع "الحرب على الإرهاب". وفي جميع الأحوال، على الدول العربية الحليفة، ذات الموارد النفطية العالية، أن تتحمل التكلفة المادية لتطبيق تلك الإستراتيجية. وهذا يتضح من قائمة الدول التي زارها ماتيس، والتي أعقبتها زيارة ميدانية إلى أفغانستان.

ولعل هذا يفسر إصرار ترامب على اختيار الجنرال ماتيس لهذا المنصب، على الرغم من أن الأمر احتاج إلى قرار استثنائي من الكونغرس، لأن الجنرال لم تمض على تقاعده من الخدمة العسكرية سبع سنوات، كما يقضي القانون الأمريكي ليتولى وزارة الدفاع، فماتيس هو الجنرال ذو الخبرة الميدانية الواسعة، وكان قد قاد كتيبة هجومية خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، كما كان قائدا لقوةٍ خاصةٍ عملت في جنوب أفغانستان في عام 2001، وشارك أيضا في غزو العراق في 2003، ولعب دورا رئيسيا في معارك الفلوجة المعروفة بشراستها. وتولى قيادة قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكان آخر مناصبه العسكرية قائدا للقيادة المركزية المسؤولة عن الشرق الأوسط حتى 2013. وبعد تقاعده، عمل ماتيس زميلا زائرا في مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد، وهي مؤسسة متخصصة في دراسة القيادة والأمن القومي والإستراتيجية والابتكار، والاستخدام الفعّال للقوة العسكرية. وهو أيضاً متخرّج من كلية الآداب ومتخصّص فى التاريخ الحربي.

ولعل هذا كله كان السبب الرئيسي لاختيار ترامب الجنرال ماتيس، ليكون وزيراً للدفاع مسؤولاً عن تطبيق إستراتيجية أميركا الجديدة في حروب المنطقة المفتوحة، وما تتطلبه من إعادة هيكلة للجيوش العربية.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستضمن لنا أمريكا وإدارة ترامب، بعد إعادة هيكلة جيوشنا العربية لتناسب الحرب على الإرهاب، عدم تعرّضنا لتهديدات وجودية حقيقية من قوى إقليمية كبرى أو من قوى دولية؟

———————————
المقالات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها