تتفاقم أزمة فلاحي مصر على الخصوص، وحياة الملايين من المصريين بوجه عام، حيث كشف مصدر مسئول في وزارة الزراعة المصرية عن أن حكومة الانقلاب العسكرى تدرس اقتراحا بشأن “بيع مياه الري” للمزارعين خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع التوسع في إنشاء محطات معالجة الصرف الصحي والصناعي، وتحلية مياه البحر، على ضوء فشل مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وانخفاض حصة مصر من مياه النيل، مع بدء تشغيل السد رسميًّا العام المقبل.

وقال المصدر، إن وزارتي الزراعة والموارد المائية والري تدرسان حاليًا مقترحًا ببيع المياه للمزارعين، وذلك بتعليمات من قائد الانقلاب السيسي ورئيس الحكومة مصطفى مدبولي.

وعاد الحديث مؤخرًا بشكل كبير عن أزمة سد النهضة بعد إعلان نظام السيسي عن وصول المفاوضات مع الجانب الإثيوبي إلى طريق مسدود، وتنوعت اتجاهات المحللين والمراقبين بين منتقد للجهود الدبلوماسية وبين تراخي الجانب المصري في صياغة حل ناجع لا يضر فعليا بالأمن القومي للبلاد.

مراقبون اتهموا السيسي شخصيًّا بتعمد وصول الأمور إلى هذا الحد، ليتمكن من تنفيذ أحلام قديمة راودت إسرائيل في الحصول على نصيب من مياه النيل بغية إحياء صحراء النقب واستخدامها في استزراع محاصيل قومية مثل الأرز والقمح.

الآبار الارتوازية

فى شأن متصل، كشفت مصادر من الريف المصري عن أن عددا من المزارعين في المحافظات لجئوا بالفعل إلى الآبار الارتوازية، على الرغم من كلفتها المرتفعة التي تصل إلى نحو 100 ألف جنيه، لتعويض نقص مياه الري عبر النيل، وعدم وصولها إلى نهايات الترع والمصارف في مختلف المحافظات المصرية، ليستعيض الفلاح بالمياه الجوفية في الزراعة عوضا عنها.

وأكدوا أن هناك تخوفا كبيرا من قبل المزارعين على مستقبل “الطلمبات الارتوازية” عقب صدور قانون الري المرتقب، وإقراره خلال دور الانعقاد الأخير لمجلس النواب، كونه يفرض المزيد من الإجراءات القانونية على المزارعين، وعلى جميع مصادر المياه، في الوقت الذي يستهلك فيه قطاع الزراعة في مصر نحو 85 في المائة من مواردها المائية.

أمر واقع

في فيديو منشور على صفحته، يؤكد الإعلامي مصطفى عاشور، أن الجهات السيادية في مصر كانت تعلم مدى خطورة سد النهضة على الأمن القومي المصري منذ فترة طويلة، خصوصا بعد أن نشرت اللجنة الوطنية التي شكلت لدارسة الموضوع، تقريرًا يؤكد الآثار المدمرة لهذا السد.

ويشير عاشور إلى تقاعس الجهات السيادية والمسئول عنها السيسي نفسه، حتى من قبل توليه الحكم، مؤكدا أن تصرفات الحكومة المصرية تنبئ عن تراخٍ متعمد لإنهاء السد ووضع المصريين أمام أمر واقع لا بد منه.

إضاعة الوقت دون الحديث عن الأهم والمرتبط بمصالح المصريين الذي تؤكده دراسات مصرية وأجنبية، يقود إلى فرضية وجود تفاهمات مصرية إثيوبية سودانية حول التسليم بالسد، وتهيئة الشعب المصري لقبول الأمر، مما يعيد إلى الأذهان ما نشر مسربا للسياسي الإسرائيلي شيمون بيريز، بشأن هذا الملف.

وأكد بيريز أنه طلب من الحكومة المصرية وقتها عدم خوض صراع عسكري مع إثيوبيا، على أن تقدم الأفكار الإسرائيلية المتخصصة في المياه والزراعة لمصر، والتي قال عنها إنها تجعل من قطرة المياه 4 أضعاف.

وفاجأ المنقلب السيسي ملايين المصريين بابتزازهم، حيث أكد أنه بصدد قطع المياه عن 10 محافظات مصرية فى مناطق الساحل الشمالي والبحر الأحمر، والاعتماد في هذه المناطق على تحلية مياه البحر، بذريعة مواجهة العجز المائي الذي تواجهه البلاد، لا سيما مع تعثر مفاوضات سد النهضة الإثيوبي.

وأعلن السيسي، خلال فعاليات ندوة تثقيفية نظمها الجيش، عن الانتهاء “تقريبا” من هذه الخطة، إثر تخصيص ما يقترب من 200 مليار جنيه كلفة محطات المعالجة والتحلية، متوقعا أن تصل كلفة المشروع بأكمله إلى 300 مليار جنيه عند الانتهاء منه العام المقبل.

 

كابوس مستمر للمزارعين

وفي غضون ذلك، اشتكى جموع المزارعين في محافظات الوجهين البحري والقبلي من ندرة مياه الري وعدم وصولها إلى الأراضي بكميات مناسبة للزراعة، ما كبد الفلاحين خسائر مادية فادحة وزيادة في كلفة الزراعة، وهو ما دفع البعض منهم إلى ري الأراضي بمياه الصرف الزراعي المخلوطة بمياه الصرف الصحي، تحت ذريعة حمايتها من العطش والبوار والتلف.

ولم تقف معاناة المزارعين في مصر عند هذا الحد، بل امتدت إلى زيادة أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي من الأسمدة والمبيدات والتقاوي، نتيجة الارتفاع في أسعار بيع المواد البترولية، فضلاً عن زيادة أجور الأيدي العاملة لمواكبة الارتفاعات المستمرة في أسعار السلع والخدمات، بما ‎لا يتناسب مع أسعار المحاصيل الاستراتيجية التي يحددها التجار دون الاكتراث بالكلفة الكبيرة التي تقع على كاهل المزارعين.

وحسب مراقبين، ‎يئن القطاع من مشكلات عديدة تمثل كابوسا مستمرا للمزارعين، بالرغم من أن الزراعة تعد العمود الفقري وحجر الزاوية للاقتصاد المصري، غير أنها تتعرض للخطر جراء السياسات المتضاربة لوزارتي الزراعة والموارد المائية والري، محذرين من شروع الحكومة في تنفيذ اقتراح بيع مياه النيل، وما سيتبعه من ارتفاع غير مسبوق في أسعار المحاصيل الزراعية.

وحسب بيانات رسمية، يسهم قطاع الزراعة بأكثر من 14 في المئة من الناتج القومي المحلي في الاقتصاد المصري، وأكثر من 20 في المئة من الصادرات المصرية.

وعلّق ‎المزارع محمد طايع على بيع المياه للمزارعين، بالقول: المزارعون كانوا يشترون المياه ولكن بطريقة أخرى، فالمياه الموجودة في الترع والمصارف بصفة عامة تكون ضعيفة بسبب “المناوبات المائية”، ما يضطر المزارع إلى استخدام ماكينات رفع المياه، والتي تحتاج إلى السولار والغاز والزيوت والصيانة الدورية، ما يكلف المزارع الكثير من الأموال.

بدوره، قال المزارع سمير طلب: “قدمنا استغاثات بسبب جفاف الترع، والمخاوف من بوار آلاف الأفدنة عطشًا بفعل عدم توفير المياه المطلوبة، وهو ما ردت عليه الحكومة بري الأراضي بمياه الصرف الصحي”.

بينما قال المزارع علاء الأمين: “كل يوم نسمع عن تبوير الأراضي الزراعية بسبب قلة المياه، وبيع الحكومة لمياه النيل معناه أن مصر مقبلة على أزمة مائية كبيرة”، مضيفا “نحن نعاني الآن من نقص المياه لري الأراضي، فما بالنا بعد تشغيل سد النهضة”.

 

خراب على مصر

أستاذ هندسة السدود بجامعة “يونتين” بماليزيا، محمد حافظ، قال: التحدي الأول وهو السد، يمثل خراباً على المدى القصير القريب، حيث سيتم ملء بحيرة سد النهضة بقرابة 74 مليار متر مكعب على مدار 3 سنوات، يضاف إليها قرابة 30 مليار متر مكعب تمثل حجم الفواقد في الشقوق الجيولوجية والتبخر بمنطقة السد على مدار سنوات الملء.

وبناء عليه، يقول حافظ: إن إجمالي ما سيتم حجزه خلال تلك الفترة يعادل 104 مليار متر مكعب، وتلك هي المصيبة الأولى والتي سينتج عنها نقص حاد في حجم المياه الواردة لبحير ناصر في تلك الفترة.

ويضيف حافظ “من الناحية النظرية البحتة فإن ما يصل لبحيرة ناصر سنويا يمثل قرابة 84 مليار متر مكعب، منها 48 مليار متر مكعب قادمة من النيل الأزرق، يضاف إليها 11 مليار متر مكعب من نهر السوباط، و12 مليار متر مكعب من نهر عطبرة، و13 مليار متر مكعب من النيل الأبيض”.

تفيد لك الأرقام أن ما يصل لبحيرة ناصر من النيل الأزرق فقط يعادل 57 % من إجمالي تدفقات النيل الموحد ببحيرة ناصر، ويتبخر منها قرابة 10 مليارات متر مكعب سنويا، تاركاً قرابة 74 مليار مكعب تقسم بين مصر بواقع 55.5 مليار متر مكعب، وبين السودان بواقع 18.5 مليار متر مكعب، وفقاً لاتفاقية 1959.

أستاذ السدود بجامعة يونتين بماليزيا محمد حافظ، يؤكد أنه في حال استكمال سد النهضة وتنفيذ الخطة الإثيوبية في توزيع المياه، فإن ذلك “سيسبب آثارا مدمرة، تتلخص في حرمان مصر من كامل تدفق النيل الأزرق، إضافة إلى تبوير ما يقرب من 5 ملايين فدان، وارتفاع فاتورة استيراد الغذاء، وتمليح معظم أراضي شمال الدلتا بسبب غزو مياه البحر لها”.

يضاف إلى ذلك ارتفاع الحموضة في مياه النيل وقتل الأسماك، وزيادة معدلات البطالة بشكل كبير جدا مع زيادة معدلات الإجرام، وزيادة معدلات الهجرة من الريف إلى المدن، وسوف تتحول بحيرة ناصر إلى بركة مياه لا تكفي لتوليد الكهرباء بالسد العالي، حسب حافظ.

أما الباحث أحمد مولانا فقال ن: “الكتلة السكانية في مصر تتركز في 8 % من مساحتها منذ آلاف السنين، ومع النمو السكاني صار هناك ضغط وإجهاد على الأراضي الزراعية لتلبية احتياجات السكان. القطاع الزراعي في مصر يمثل 20 % من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر فرص عمل لـ 32 % من إجمالي قوى العمل”.

ويضيف: “استهلاك مصر يقدر بحوالي 85 % من حصتها المائية في الزراعة، ومن ثم فإن تقليص حصة مصر من المياه، ستكون له آثار مروعة على الري والزراعة وفرص العمل، وهو ما قد يدمر الأمن الغذائي للمصريين”

Facebook Comments