ليست طوابير للخبز أو حتى لنيْل “الزيت والسكر”، وليست بالطبع طوابير “الجمعة السوداء” فى مراكز التسوق للحصول على خصومات كبيرة، لكنها للأسف أمام مبنى لعرض آثار مصر الفرعونية.

هذا الزحام الشديد جاء بسبب معرض “توت عنخ آمون.. كنوز الفرعون الذهبي” في العاصمة البريطانية لندن؛ حيث اصطف آلاف الزائرين أمام المدخل الرئيسي لقاعة ساتشي، منتظرين دورهم بالساعات لدخول المعرض والاستمتاع بمشاهدة بعض كنوز الملك الشاب الذي حل ضيفًا على عاصمة الضباب في محطته الثالثة، بعد زيارة مدينة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية، ومدينة باريس بفرنسا، إلا أننا كمصريين نفتقد هذا الشغف بما تحمله آثارنا من كنوز تاريخية وسياحية تفقد بريقها يومًا بعد يوم.

لماذا الغرب وليس مصر؟

يأتى الزحام الشديد للغرب على الآثار المصرية، بعدما كشف تقرير صادر عن مجلس السياحة والسفر العالمي عن تدهور النشاط السياحي في مصر، باعتباره الأكثر تدهورًا بين الوجهات السياحية الرئيسية في العالم، العام الماضي، ما أدى إلى هبوط معدلات حركة السياحة في مصر بنسبة تصل إلى 80%؛ نتيجة عدم الاستقرار السياسي والهجمات المسلحة المتكررة.

ولفت التقرير إلى تراجع عائدات السياحة المصرية، العام الماضي، وفقًا للأرقام التي أعلنتها حكومة الانقلاب بما يزيد على 45%؛ لتصل إلى أقل من 30 مليار جنيه مصري، مقابل ما يزيد على 140 مليار جنيه في 2010.

الفراعنة لليونسكو: أوقفوا مهازل العسكر

‎وبرغم متعة المشهد من الإنجليز، إلا أن الأمر يعيد للأذهان كيف يتعامل العسكر فى مصر مع آثارنا الفرعونية، وليس ببعيد ما عرضته بعض الفضائيات من مشاهد مذلة لكراكات وأوناش خلال رفع جزء من تمثال رمسيس الثاني بسوق الخميس، وقد عرضت فضائية “إكسترا نيوز” مشهدًا لتغطية رأس التمثال ببطانية “سبايدر مان”.

وزعم أيمن العشماوي، رئيس الفريق المصري بالبعثة الأثرية للتنقيب عن حفائر المطرية، وقتها، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج “هذا الصباح” المذاع على فضائية “إكسترا نيوز”، أن سبب تغطية تمثال المطرية ببطانية “سبايدر مان” كان سلوكًا فرديًا من الحارس المكلف من أجل إبعاد الأطفال عن التمثال.

مقبرة “تي” التاريخية

وسبق أن أدان المؤرخ “بسام الشماع”، عضو الجمعية المصرية للتاريخ، المهزلة التى شهدتها مقبرة “تي” بسقارة، والتي يعود عمرها إلى 4500 عام، مشيرا إلى أنه تم تحويلها إلى مخزن يحمل مروحة وسلمًا ومعدات. وتظهر الصور تواجد (مروحة وبعض المعدات الخاصة بالعمال)، وتحويل المقبرة إلى مخزن للأدوات وأعمال الصيانة.

وأكد الشماع، في تصريحات له، أن ما شهدته مقبرة “تي” مرفوض تمامًا، وأزعجنا جميعًا، مشيرًا إلى أن “أي سنتيمتر من أي مقبرة تقيم الدول لها متحفًا”.

تابوت سيدي جابر

ولم تكن إهانة المقابر الأثرية الفرعونية بجديد على “شبه دولة العسكر”، فقد شهدت منطقة سيدى جابر كارثة أخرى عند انتشال “التابوت الأثرى” المصنوع من الجرانيت الأسود بطول 2.75 متر × 1.65 متر، وبارتفاع 1.85 متر.

ويعود تاريخه إلى العصر البطلمي والقرن الرابع قبل الميلاد، وقدر وزن التابوت بنحو 30 طنا تقريبًا، وعثر عليه صدفة، وكان انتشاله أشبه بمسرحية عبثية وفوضى بقيادة قوات العسكر التى منعت التصوير، وتحول الموقع إلى شبه “ثكنة عسكرية”، بعدما تسلمت القوات المسلحة والشرطة العسكرية الموقع بالكامل لتأمين عملية فتح التابوت.

إهانة آثار مصر في المسلسلات

فى حين قال الباحث الأثري تامر المنشاوي: إنه لا يليق ببعض المسلسلات الإساءة للآثار المصرية؛ لأن هذا مرفوض وهناك أجيال تتابع هذه المسلسلات، والتاريخ لن يرحمنا إذا لم نواجه هذا العبث.

وضرب نموذجًا لهذا فى مسلسل “ربع رومي”، الذى يسخر بشكل صريح من ورق البردي، وأهان الآثار ممثلة في التابوت الفرعوني، عندما قام أحد الأشخاص بضرب التابوت بقدميه، وهذا لا يليق بقيمة تاريخنا وحضارتنا التي يجب أن نحترمها، كما أنه لا يليق بإهانة الملابس الفرعونية في المسلسل، والتي تعبر عن الحضارة المصرية.

وأكد “المنشاوي” أن جميع دول العالم تعشق الحضارة المصرية القديمة، وعلينا الحفاظ عليها وأن نفتخر بها، وأتمني عمل مسلسلات تليق بقيمة الآثار، ومناقشة مواضيع أثرية موثقة، مثل اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، والشخصيات العظيمة مثل الملك أحمس والملك تحتمس الثالث والملك رمسيس الثاني.

احترام آثارنا بالخارج

الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ومقرر لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، يكشف المفارقة مؤكدًا أن هناك مفارقة غريبة بأن نكون من أصحاب أقدم حضارة عرفها التاريخ تمتد لأكثر من 7 آلاف سنة، ولا نهتم بآثارنا التي تزيد على ثلث آثار العالم، والمثير لذلك أن لدينا وزارة للسياحة والآثار، ولكن لم نجد الشغف الموجود لآثارنا إلا في الخارج، لافتًا إلى أن هناك عشقًا واحترامًا وتقديرًا لتاريخنا وآثارنا في جميع دول العالم- وعلى وجه الخصوص فرنسا والتي يغرم الشغب الفرنسي بـ”علم المصريات مترقبين أية قطعة آثار مصرية يتم الكشف عنها.

وأشار شقرة إلى أننا حتى الآن غير قادرين على رفع التناقض بين نجاح الفرنسيين في الترويج لآثارنا والاستفادة منها؛ حيث إن آثارنا تلعب دورًا مهمًا في تنشيط قطاع السياحة في فرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية، والدليل على ذلك المعرض الأخير لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون، ونفاد تذاكر المعرض حتى فبراير 2020، موضحًا أننا قد أخفقنا في تنشيط قطاع السياحة التاريخية برغم امتلاكنا كنوزًا أثرية عبر تاريخنا الطويل “قديم، قبطي، إسلامي، حديث”.

 3ملايين قطعة بالمخازن

وكشف أثريون عن حقيقة ادعاء وزير الآثار في حكومة الانقلاب بشأن عدد القطع الموجودة بمخازن المتاحف، والتي أشار إلى أنها 150 ألف قطعة فقط على مستوى الجمهورية، مؤكدين أن هذه التصريحات كاذبة وكارثية.

وقال “أ. ج”، الخبير الأثري: إن كمال وحيد، مدير منطقة سقارة السابق، صرح عام 2004 بأن عدد القطع الأثرية في سقارة فقط 600 ألف قطعة، منها 200 ألف قطعة قديمة.

وأضاف أن “المخازن المتحفية” عددها 47 مخزنًا على مستوى الجمهورية، وأن رصيد مصر الأثري من القطع المنقولة لا يقل عن 3 ملايين قطعة.

إحصائيات

وقال مجلس السياحة: إن عدد السائحين في العام الماضي تراجع من 14 مليون سائح سنويًا إلى نحو خمسة ملايين. وبحسب إحصائيات رسمية تراجع إجمالي عدد السياح الوافدين إلى مصر بنسبة 40% خلال الشهور الـ11 الأولى من العام الماضي، كما تراجع عدد السياح الوافدين من 8.064 ملايين سائح.

ويرجع انخفاض قطاع السياحة في مصر إلى عدة أسباب؛ أبرزها التفجيرات المتتالية وغياب الأمن، ومقتل سياح (أبرزهم الإيطالي ريجيني)، إضافة إلى التحرش بالسائحات، وعدم وجود دولة لديها كفاءة، وكذلك الإهمال وضعف المواقع السياحية بالمقارنة بدول أخرى لديها مناطق رائعة بأسعار بسيطة.

وأجرى موقع Quora الإلكتروني استطلاعًا بين زوّاره المحبين للسفر والسياحة والتجول عن البلاد التي لا يرغبون في العودة إليها مرة أخرى، وجاءت مصر في قائمة الدول التي حذر منها السياح، بحسب ما نقلت صحيفة “ديلي ميل”.

فيما قالت صحيفة الجارديان البريطانية، إن السياحة المصرية ما زالت تترنح بسبب الاضطرابات السياسية، وأضافت الصحيفة أن السائحات يتعرضن في مصر لحالات تحرش من أفراد الأمن المتواجدين في المناطق السياحية والأثرية، وأحيانًا من مواطنين مصريين، ولا يحرك الأمن ساكنًا؛ مما جعلهن يتخوفن من السفر إلى مصر، إضافة إلى تعرض سياح للقتل والسرقة والتعدي عليهم.

Facebook Comments