أكدت دراسة أن العلاقات الأمريكية بالانقلابيين في مصر على عتبة أزمة بعد تلويح أمريكا بفرض عقوبات على مصر في حال اشترتْ طائرات “سوخوي 35” الروسية، منبهة إلى أن هذا التهديد هو الأول من نوعه منذ تولي الرئيس دونالد ترامب للسلطة؛ حيث دأبت الإدارة الأمريكية على تأكيد دعمها المستمر لسلطات الانقلاب العسكري.

ورجحت الدراسة التي نشرها موقع “الشارع السياسي” بعنوان “التهديد الأمريكي للسيسي بقانون “كاتسا” في صفقة «سوخوي 35» الروسية.. قراءة تحليلية”، أن المنقلب عبدالفتاح السيسي لن يتحدى الضغوط الأمريكية ويصر على الصفقة الروسية رغم أهميتها للأمن القومي المصري.

وأرجع ذلك لأسباب:

أولا: أن مصر تعتمد في موازنتها التسليحية على المعونة العسكرية الأمريكية منذ إبرام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية بواقع (1.3) مليار دولار سنويا تذهب لشراء أسلحة أمريكية وتدريب وخبراء، ومن الصعب التضحية بهذا المبلغ.

ثانيا: يرتبط القرار بالعقيدة العسكرية الجديدة التي أرغمت أمريكا الجيش المصري عليها وتقوم على وقف تكديس السلاح الثقيل لحروب تقليدية في ظل التحالف الوثيق مع “إسرائيل” والتوجه نحو الحروب الداخلية ومواجهة ما يسمى بالإرهاب وشراء أسلحة خفيفة تتناسب مع طبيعة المعركة والعقيدة العسكرية الجديدة في ظل استمرار المواجهات المسلحة في سيناء.

ثالثا: تضخم حجم الديون المصرية وتدهور الوضع الاقتصادي وحاجة النظام إلى اتفاق جديد مع “صندوق النقد الدولي” وهو ما ينزع عن السيسي ونظامه أي قدرة على تحدي أمريكا أو التخلي عن المعونة الأمريكية.

رابعا: العلاقات المصرية الأمريكية وثيقة للغاية في عهد السيسي أما العلاقات المصرية الروسية فإن السيسي يستخدمها للضغط على واشنطن أحيانا في مسعى لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، فهي سياسة تقوم على مناكفة أمريكا بالتقارب مع روسيا.

وأضافت الدراسة أنه تبقى علاقة تقوم على المصلحة المرحلية، خصوصا بعد سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء في أكتوبر 2015 ووقف السياحة الروسية للقاهرة حتى اليوم، ورغم الإلحاح من جانب السيسي وحكومته، إلا أن موسكو لم تقبل بعودة السياحة الروسية من أجل توظيفها كورقة ضغط على السيسي لتحقيق المصالح الروسية في مصر والمنطقة، مشيرة إلى مماطلة السيسي لافتتاح المنطقة الاقتصادية الروسية الحرة وكذلك مشروع الضبعة النووي.

قانون “كاتسا”

ولفتت الدراسة إلى أن القانون الذي أعلنته الولايات المتحدة لمعاقبة مصر إن هي أقدمت على الصفقة من خلال “قانون كاتسا”- قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات)، الذي تفرضه واشنطن عادة على أي دولة تقوم بـ”تبادلات ضخمة” مع روسيا أو إيران أو كوريا الشمالية- موضحة أنه في أبريل 2019، قدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي تقريرًا لوزير الخارجية مايك بومبيو بمناسبة زيارة السيسي الثانية للولايات المتحدة، تحدث عن ما أثير حول تعاقد مصر علي (20) مقاتلة من  سوخوي Su-35، وقلقهم من ترسيخ العلاقات بين مصر وروسيا. وقتها تعهد بومبيو، بالتزامن مع زيارة السيسي لواشنطن، بفرض عقوبات على مصر حال شرائها المقاتلات الروسية.

وأضافت أن وزير الخارجية الأمريكي سبق وشدَّد على أنه “حال شراء هذه المنظومات، بموجب القانون سيتطلب هذا فرض عقوبات على النظام الانقلابي المصري. متابعا: “لقد تلقينا تطمينات من جانبهم أنهم يتفهمون ذلك، وأنا آمل بشدة ألا يقرروا المضي قدمًا في الحصول عليها”.

وينص “كاتسا” أن على وزير الخارجية الأمريكي اختيار خمس عقوبات من (12) متاحة وفرضها على الجهة التي تخرق القانون، وفي سبتمبر 2018 فرضت واشنطن عقوبات وفق قانون “كاتسا” على الصين لشرائها مقاتلات “سو35” ومعدات متعلقة بالنظام الدفاعي الصاروخي “إس-400” من روسيا.. نوفمبر 20, 2019

التصعيد الأمريكي

وأشارت الدراسة إلى تصاعد الموقف الأمريكي بفرض عقوبات أمريكية على النظام في مصر إذا ما أصر على قراراه بشراء مقاتلات “سوخوي 35” من روسيا، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.

وكشفت الصحيفة الأمريكية عن أن وزيري الخارجية الأمريكي مايك بومبيو والدفاع مارك إسبر حذرا في رسالة بعثا بها (الأربعاء 13 نوفمبر2019) إلى القاهرة من تأثيرات سلبية على العلاقات بين البلدين تتعلق باتفاقيات التعاون في مجال الدفاع مستقبلاً بين البلدين وكذلك على المساعدات التي تقدمها واشنطن للنظام في القاهرة حال أصر الأخير على إتمام شراء صفقة المقاتلات الروسية “سوخوي 35″، وبحسب “ميدل إيست آي” فإن مصر قد تتعرض لعقوبات وفقًا للقانون الأمريكي، الذي يمنع شراء المعدات العسكرية الروسية”.

وعلقت الدراسة على تزامن التهديدات الأمريكية مع زيارة وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو إلى القاهرة لإجراء محادثات حول التعاون العسكري. والتي بدأت الثلاثاء “12 نوفمبر2019″؛ حيث أجرى مباحثات مع السيسي، كما شارك على رأس وفد روسي، في الاجتماع السادس للجنة المصرية – الروسية المشتركة للتعاون العسكري التقني. وخلال الزيارة، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، أن روسيا مستعدة للمساعدة في تعزيز القوات المسلحة المصرية ورفد قدراتها الدفاعية.

السيسي المهان

وقالت الدراسة إنه رغم العلاقات الوثيقة التي تجمع عبدالفتاح السيسي، بدونالد ترامب، كتابع، أو بحسب وصف الدراسة “الانصياع الكامل” من نظام 30 يونيو للإملاءات الأمريكية وحماية المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة وعلى رأسها التصدي للتهديدات التي تواجه دولة الاحتلال “إسرائيل”؛ إلا أن ذلك لم يمنع الإدارة الأمريكية من توجيه تهديدات مباشرة للنظام العسكري في مصر بشأن صفقة طائرات “سوخوي 35” الروسية.

ورأت أن ذلك ياتي في صورة مساعي واشنطن لحماية سمعة السلاح الأمريكي وممارسة أعلى صور الضغوط من أجل إخضاع الأنظمة العربية وغيرها بشتى الوسائل من أجل اقتناء السلاح الأمريكي في أعقاب السمعة السيئة التي ألمت به وعدم قدرته على مواجهة التحديات الإقليمية؛ فقد فشلت ترسانة السلاح الأمريكي في صد هجمات الحوثيين على السعودية على الرغم من إنفاق النظام السعودي مئات المليارات من الدولارات على صفقات السلاح الأمريكي خلال السنوات والعقود الماضية.

لكن هذه الترسانة الضخمة من السلاح الأمريكي لم تتمكن من حماية مصافي النفط السعودي من طائرات الحوثيين المسيرة وصواريخهم التقليدية وتعرضت شركة أرامكو السعودية لضربات قاتلة أدت إلى خسائر بعشرات المليارات من الدولارات. يعزز ذلك تحذيرات خبير الشرق الأوسط الألماني “مايكل لودرز”، في مقابلة مع صحيفة “فينانتس ماركت فيلت” الألمانية، من أن الأسلحة الأمريكية التي تستوردها بعض الدول في الشرق الأوسط،  تفقد مكانتها، مستشهدا بما جرى في السعودية.

النفوذ الروسي

وترفض واشنطن صفقة “سوخوي 35” للقاهرة، لأنها تخشى بحسب الدراسة من توسع النفوذ الروسي في المنطقة العربية والشرق الأوسط عموما، ومصر على وجه الخصوص والتي تعتبرها واشنطن “محمية أمريكية” خاضعة بالمطلق للنفوذ الأمريكي ولا تقبل في ذلك القسمة مع قوى دولية أخرى، خصوصًا إذا كانت روسيا.

وعلى كل فالنفوذ الروسي في مصر بدأ فعليا يزاحم النفوذ الأمريكي سياسيا وعسكريا واقتصاديا، ويسعي في هدوء نحو سحب البساط من الهيمنة الأمريكية على مصر؛ وذلك بالاتفاق على إنشاء منطقة صناعية بمحور قناة السويس ومحطة نووية في منطقة الضبعة، فضلا عن تعزيز التبادل التجاري والنشاط الاقتصادي بين البلدين؛ ليصل إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى اتفاقية عسكرية في ديسمبر 2017 تسمح للطيران الروسي باستخدام الأجواء المصرية وهو إجرء غير مسبوق، على قول الدراسة.

تنازع التبعة

وقالت الدراسة إن البنتاجون  يبدو أن مارس ضغوطه على السيسي الذي منح الولايات المتحدة الأمريكية امتيازات تفوق ما سمح له للروس عبر التوقيع في يناير 2018؛ على اتفاقية “(CIS MOA)” مع الإدارة الأمريكية والتي رفض مبارك والمجلس العسكري التوقيع عليها منذ عقود لخطورتها على الأمن القومي للبلاد؛ لأنها تفضي إلى جعل القوات المسلحة المصرية جزءًا من منظومة الجيش الأمريكي وتجعل من مصر مركزًا لقيادة العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة وقت الحروب. وأمام هذه المعطيات والحقائق يبدو الصراع على أشده بين واشنطن وموسكو من أجل تحقيق أكبر صور النفوذ على القاهرة التي تبدو عاجزة تابعة وغير قادرة على حماية نفسها من أطماع القوى الدولية الكبرى.

Facebook Comments