"قد كانت المقاطعة السعودية لقمة كوالالمبور تعبيرًا عن شعور بخسارة جانب من المكانة التي ترسخت عبر عقود"، كانت تلك هي القيمة التي أكدتها دراسة علمية موقع "الشارع السياسي Political Street" بعنوان "قمة كوالالمبور.. السعودية بين تراجع المكانة وحلم الزعامة"، مشيرة إلى أن "منظمة التعاون الإسلامي أصبحت جسدًا بلا روح, كالجامعة العربية من حيث الجمود وعدم التأثير".

وخلصت إلى أن "سحب البساط من تحت أقدام السعودية لم يبدأ في قمة كوالالمبور, وإنما بدأ يوم تخلت المملكة عن دورها الذي صنعته عبر سنين طويلة".

وأوضحت أنه بدلًا من أن يكون دورها في خدمة قضايا المسلمين, راحت تنافس على زعامة العالم الإسلامي؛ فاصطدمت بدول قوية فرضت نفسها وتأثيرها في الساحة الدولية, باستقلال إرادتها واحترام شعوبها وأمتها, وعدم خضوعها للابتزاز الذي ظل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمارسه كفاصل إهانة يوجهه إلى حكام الرياض أثناء خطاباته أو لقاءاته معهم.

لا ادعاء أو ميراث

وأشارت الدراسة إلى أن المكانة الدولية لا تكون بالادعاء أو الميراث وإنما بالدور؛ فكان أن ورطها ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في أن تتزعم وتتصدر بلا قدرات؛ فسقطت في مستنقع اليمن, وخسرت رصيدها في العالم الإسلامي بدعمها الثورات المضادة, وإسهامها في سحق إرادة الشعوب المسلمة الطامحة إلى ربيع الحرية؛ لذلك فلا قمة كوالالمبور ولا غيرها له علاقة بسحب البساط من السعودية, وإنما هو فشل أهل الحكم فيها الذين باتوا يتلقون التعليمات من إمارة أبو ظبي.

ووصف معد الدراسة حازم عبد الرحمن الصورة الحالية للسعودية، بأنها أصبحت ذيلا لإمارة أبو ظبي في رعاية الثورة المضادة ونموذجا في ممارسة القمع, والاستبداد, والفساد, وانهيار القانون, وغياب العدالة, والتحالف مع العدو.

وأشارت إلى أن ذلك أمام وعي جماهيري كبير بالأحداث وخلفياتها, بسبب انهيار جدار القمع الإعلامي المتمثل في سقوط احتكار السلطة لوسائل الإعلام, وظهور الإعلام الاجتماعي البديل, الذي تصنعه الشعوب وليس السلطة.

حرب الحريات

وبدأت السعودية حدًّا غير مسبوق من محاربة الصحوة، فاعتقلت العلماء والدعاة ورجال الأعمال وعذبتهم, وطاردت من نجح في الهروب إلى الخارج, حتى يتم الإيقاع به وقتله وتقطيع أشلائه, كما حدث في جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول بتركيا, ولا يوجد في الدولة برلمان حقيقي له سلطة الرقابة والتشريع, ونظام الحكم مطلق تماما, يقوم بتسخير مقدرات الشعب لخدمة النظام؛ فلا أحد يعرف شيئا عن ثروة الدولة التي ينهبها أفراد السلطة الحاكمة, ولا يستطيع مواطن أن يسأل عن الثروات المليارية التي تنقلها العائلة الحاكمة إلى الخارج وتودع في بنوك أجنبية, في حين أن الفقر يغزو مناطق كثيرة بمملكة البترول الغنية.

واعتبرت الدراسة أن السبب في تأخر المملكة عن مكانتها هو غرور الأمير الشاب محمد الذي أسكرته السلطة فرأى نفسه ملكا قبل الأوان, دون أن تتوفر له مؤهلات الملك, من حكمة وخبرة ودربة ورجال مخضرمين صادقين معه, فانقاد لمؤامرات أستاذه محمد بن زايد, وراح يخطط لغزو قطر عسكريا للاستيلاء على غازها, وأشعل حربا في اليمن فشلت في تحقيق أهدافها, واعتقل العلماء والدعاة والمثقفين ورجال الأعمال, بل اعتقل رئيس وزراء لبنان سعد الحريري وكذلك وزراء من الحكومة الشرعية باليمن, وهي ممارسات غير مسبوقة في تاريخ المملكة أساءت إليها, ونالت من مكانتها, وقد فشل الأمير في الدفاع عن بلاده أمام عصابة مسلحة, وراح يستنجد مع والده الملك سلمان بمؤتمرات قمة خليجية وأخرى عربية من هجوم جماعة الحوثي اليمنية بالطائرات المسيرة على المملكة التي تشتري صفقات السلاح الأمريكية بمئات المليارات من الدولارات.

مقاطعة القمة

ولفتت الدراسة إلى الإحساس بتضخم الذات السعودية بعد تراجع الدور المصري إثر الانقلاب العسكري على الحكم الشرعي في 3 يوليو 2013، وتسليم عبد الفتاح السيسي دور مصر القيادي إلى السعودية التي كانت الراعي الأول للانقلاب.

واستدركت قائلة إن صعود تركيا في عهد أردوغان كدولة إسلامية قوية مؤثرة في الساحة الدولية لم يدع للسعودية فرصة الاستئثار بالزعم أنها تتصدر قيادة العالم الإسلامي؛ فقد كانت مواقف تركيا الأقوى بين الدول كافة في الدفاع عن الأقصى والقضية الفلسطينية, وبثت الروح في منظمة التعاون الإسلامي عندما تولت رئاستها, وأحرجت كثيرا ممن يزعمون الدفاع عن الحق الفلسطيني, وعلى رأسهم السعودية ومصر.

نظرة لخصم

وقالت الدراسة، إن نظرة الرياض إلى قمة كوالالمبور كخصم من رصيد السعودية ومكانتها, وطلبت وضعها تحت رعاية منظمة التعاون الإسلامي؛ حتى يتسنى لها تصدر المشهد, زاعمة أن طلبها يهدف إلى توحيد دول المنظمة, وهو غير صحيح؛ فالقمم العربية المصغرة التي انعقدت عشرات المرات بين زعماء مصر والسعودية وسوريا والعراق وغيرها من الدول العربية وفي أوقات وظروف متنوعة استدعت عقد مثل تلك القمم- لم تتسبب في تهميش دور جامعة الدول العربية، ولم ينظر إليها أحد على أنها تهدف إلى تشكيل تكتل عربي جديد بديلاً عن الجامعة, بل إنه سبق أن شكلت دول الخليج الست منظمة للتعاون بعيدا عن جامعة الدول العربية, من دون أن يعني ذلك تمزيق الصف العربي, بل تكرر هذا النموذج في مجلس التعاون العربي (الذي لم يعش طويلا), وكان يضم مصر والعراق والأردن واليمن, وكانت له نفس أهداف مجلس التعاون الخليجي , وبالمثل أنشئ اتحاد المغرب العربي, من خمس دول تمثل في الجزء الغربي من العالم العربي وهي: المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا وموريتانيا. وذلك من خلال التوقيع على ما سمي بمعاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي.

ورأت الدراسة إنه لا يمكن اعتبار أي تجمع دولي خصما من رصيد أحد إلا في حالة العداء, وهي غير متوفرة بالطبع في قمة كوالالمبور, التي تمت بهدف الدفاع عن الأمة الإسلامية, والتأثير في الساحة الدولية, ولا يمكن إنكار أن منظمة التعاون الإسلامي أصبحت جسدا بلا روح, كالجامعة العربية من حيث الجمود وعدم التأثير؛ فلم يظهر لها موقف قوي من الكارثة التي عصفت بمسلمي بورما (الروهينجا), وكذلك قضية كشمير التي أعلنت الهند قبل شهرين ضمها تماما إليها بعد أن كانت تعيش ضمن حكم ذاتي واضح, وأصبحت بلا دور إزاء الجرائم التي ترتكب يوميا ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة, ولا يوجد لها أثر في مواجهة جرائم الصهاينة بتهويد القدس وتهديد المسجد الاقصى.

Facebook Comments