قالت دراسة بعنوان “عنان وحركة ديسمبر: الأسباب والتداعيات” للباحث محمود جمال إن السيسي بعد 20 سبتمبر 2019م مختلف تمامًا عما كان منذ انقلاب 03 يوليو 2013مـ.

وكشفت عن أن السيسي أيقن الخطر ويقوم الآن بإعادة رسم خارطة جديدة لحكمه، وبدأ يستمع لأصوات المعارضين داخل المؤسسات السيادية، الذين يرى أنهم يشكلون التهديد الحقيقي عليه وعلى نظامه، لذلك يقوم الآن بمحاولة إعادة رسم شكل جديد لنظام حكمه كي يستمر لسنوات عديدة.

وفي بحثها عن دلالات وتفسيرات التغييرات الأخيرة في حركة ديسمبر والتي شهدت على الأقل 20 تبديلا وإعادة وإخلاء سبيل هي لمواجهة أزمته الحقيقية التي تكمن داخل الجيش وباقي مؤسسات الدولة السيادية، ولا علاقة لها مطلقا بالمعارضة السياسية، معتبرا من درس مبارك.

انقلاب ناعم

وقالت الدراسة: إن السيسي في يسعى لتخفيف حدة الصراع بينه وبين القيادات المناوئة له، والذين يحاول ترضيتهم بشكل أو بآخر، عبر إقالة بعض المقربين منه والمحسوبين على دائرته وفي المقابل يقوم بتعيين أشخاص يتمتعون برضا من الطرفين، ولديهم شعبية داخل الجيش ويمكن وصفهم بالمحايدين، وأشخاص أخرى تحسب على الطرف المناوئ لسياسته، بهدف تهدئة الأجواء التي كان يسودها التوتر أحيانا.

وأوضحت أن الأيام والشهور القادمة كفيلة بتوضيح العديد من الأمور، وسيتم الإجابة على السؤال الملح حالياً: هل ما تم هو انقلاب ناعم رغمًا عن عبد الفتاح السيسي بسبب إمكانيات وقدرات الأطراف المعارضة له داخل المؤسسة العسكرية وداخل جهاز المخابرات العامة، التي تضاعفت بعد حراك 20 سبتمبر 2019م، كما يرى البعض؟ أم ما زال السيسي لديه من الإمكانيات والقدرات ما تمكنه لفرض المزيد من السيطرة والهيمنة؟ وهل قوة السيسي تلك جعلته يتراجع بذلك الشكل من تلقاء نفسه وليس فرضًا من المجموعات المناوئة له داخل المؤسسات السيادية، حتى يحتوي الموقف ليس إلا؟ ستحدد الإجابة عن هذه التساؤلات مآل التغييرات الأخيرة في إدارة شئون البلاد.

خلافات والهدف غائب

غير أن الدراسة توقفت دون تفسير عن نية الحركة التي يقوم عليها أطراف مناوئة للسيسي داخل الجيش وأهدافهم من الاستحواذ على بعض النفوذ، فهل الهدف هو التمكين لتيار إصلاحي داخل المؤسسة العسكرية يُصلح من أحوالها ويعدل مسار بعض القضايا الوطنية الهامة، ويضغط لفتح المجال السياسي؟ أم أن الهدف هو مجرد المشاركة في الحكم وأخذ جزء من الكعكة؟

وتساءل محمود جمال: هل ما يفعله السيسي الآن هو مجرد مناورة، وأن الصفقة التي تمت بين السيسي والأطراف المعارضة له، ستُحدث فقط تغييرًا شكليًا لنظام حكم عبد الفتاح السيسي، حتى تظهر الصورة على أن الحكم عاد مرة أخرى للمؤسسة العسكرية ككل، وليس فرد من أفرادها هو من يسيطر على زمام الأمور، ويبقى رجال الحرس القديم دون صلاحيات؟ أم أن رجال الحرس القديم لديهم إمكانيات وقدرات لفرض أنفسهم للتأثير في بعض الملفات؟

توقعات تحسم

غير أن أسئلة أخرى إن تمت فإنها تحسم مهمة الطرف المناوئ، مثل: هل سنرى معاملة مختلفة للنظام المصري في مواجهة التمرد المسلح الذي تشهده محافظة شمال سيناء؟ وهل سيتم الإفراج عن بعض الضباط المعتقلين خلال الفترة القادمة، أمثال العقيد أحمد قنصوه وغيره؟، والذي يطالب البعض داخل المؤسسة العسكرية بالإفراج عنهم؟ وماذا عن بعض الشخصيات البارزة الأخرى الداعمة لعنان، أمثال المستشار هشام جنينة ود. حازم حسني وغيرهما؟ الشهور القادمة ستوضح أمورًا كثيرة من وجهة نظري، بحيث نرى الإجابة على العديد من التساؤلات.

وأضاف أن من أسماهم بـ”رجال الحرس القديم” كانت لديهم خلافات مع السيسي في العديد من الملفات، كالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير، على سبيل المثال، فهل سنشهد تغييرًا في الموقف المصري من هذا التنازل؟ وهل سنرى الفريق سامي عنان يعود مرة أخرى للعمل السياسي؟ أم سيظل تحت الإقامة الجبرية كجزء من صفقة الإفراج عنه كما فعل مع الفريق أحمد شفيق؟ وهل نري بعض الانفتاح السياسي كما كانت الأجندة التي يدعو لها الفريق سامي عنان في حملته الانتخابية؟

عداوات مكتنسبة

وقات لدراسة: إن السيسي اكتسب العديد من العداوات داخل المؤسسة العسكرية خلال الثمان سنوات الماضية، حيث أطاح بما يقارب من 50 قائدًا عسكريًّا من داخل المجلس العسكري حتى ينفرد بالحكم وتتحول منظومة الحكم في مصر والتي تم ترسيخها منذ عام 1954م، من قِبل جمال عبد الناصر من حكم المؤسسة العسكرية بالمطلق إلى حكم الفرد العسكري الدكتاتوري.

بالإضافة إلى ذلك، قام السيسي بالتنكيل بكل من حاول أن يغير نهج سياساته من داخل المؤسسة العسكرية بأي طريقة كانت، فأغلق السيسي كل طرق التغيير التي حاول أن ينتهجها المعارضون له داخل المؤسسة العسكرية، فمن حاول أن ينتهج النهج الدستوري والقانوني للتغيير، عن طريق الترشح ومنافسة السيسي في انتخابات الرئاسة التي أجريت في الربع الأول من عام 2018م، تم التنكيل بهم جميعًا، والتنكيل الذي لحق بكل من الفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق والعقيد أحمد قنصوه ومن سعى مسعاهم.

فضلاً عن العداء الذي اكتسبه السيسي في صراعه مع جهاز المخابرات العامة والذي سيطر عليه بشكل تام في عام 2018م، بعد الإطاحة باللواء خالد فوزي من قيادة الجهاز والمئات من وكلاء جهاز المخابرات، وتولي عباس كامل ومحمود السيسي قيادة جهاز المخابرات العامة.

محاولات التغيير

ولفتت الدراسة إلى أنه منذ أحداث 03 يوليو 2013م، قام أفراد (مجموعات) داخل الجيش بمحاولات لتغيير ذلك الوضع الذي تسير عليه قيادات المؤسسة، لعدة أسباب من أهمها الوضع السياسي المضطرب والأوضاع في شبه جزيرة سيناء، والخسائر المتتالية هناك؛ والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وحقوق مصر في المياه والغاز.

وقالت إنها متعددة ومتكررة، واتخذت عدة أشكال منها محاولات دستورية وقانونية للتغيير عن طريق الانتخابات ومنها من اتخذ أسلوبًا عنيفًا.

وأوضحت أن الطرف المناوئ للسيسي داخل الأجهزة السيادية بشكل عام حراك 20 سبتمبر لكي يتحصل على عدة أهداف كان يحاول الحصول عليها خلال السنوات الماضية، وربما كان التفاوض مرحلة أولية لتحقيق تلك الأهداف، وكان يضغط بكافة الأشكال لتحقيق مطالبه.

خارطة طريق

واعتبرت الدراسة أن الإفراج عن الفريق سامي عنان هو جزء من مسار اختاره السيسي في التعامل مع أحداث 20 سبتمبر، إضافة لورجوع بعض القيادات العسكرية إلى صفوف الجيش مرة أخرى، وإبعاد محمود السيسي في الفترة الحالية ولو مؤقتًا، وإبعاد بعض قيادات عسكرية أخرى من مناصبها، تشير إلى أن السيسي اتخذ مسار التفاوض مع الأطراف المناوئة له داخل المؤسسات السيادية.

وأنه وبناء على نصائح من بعض حلفائه مثل محمد بن زايد، كما يتردد، وكذلك من وزير الدفاع المصري الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي، ويقوم السيسي الآن بمحاولة إعادة رسم شكل جديد لنظام حكمه لكي يستمر لسنوات عديدة.

ومن ذلك إعادة الفريق أسامة عسكر والذي تم تعيينه رئيسًا لهيئة العمليات بدلاً من اللواء محمد المصري “صديق السيسي المقرب”، بجانب خلافه مع السيسي في التفريط في جزيرتي تيران وصنافير، وكان من ضمن المؤيدين لترشح الفريق سامي عنان في الانتخابات الرئاسية.

واستبعد السيسي شخصيات عسكرية من مناصبها الهامة داخل الجيش، وتعرف تلك القيادات بقربها من عبد الفتاح السيسي، كاللواء أركان حرب محمد عبد اللاه الذي تمت إقالته من منصب أمين عام وزارة الدفاع “أمين سر المجلس العسكري”، واستبداله باللواء أركان حرب عماد الغزالي الذي كان يتولى قيادة المنطقة المركزية العسكرية أثناء تظاهرات يوم 20 سبتمبر 2019م، وكان له موقف رافض لانتشار الجيش في الشوارع والميادين أثناء تلك التظاهرات، وكان رأيه أن الجيش لا ينبغي أن ينزل للشوارع ويواجه المتظاهرين مرة أخرى، جدير بالذكر ان اللواء عماد الغزالي يحظى بقبول كبير داخل صفوف الجيش المصري. تضمنت أيضاً حركة ديسمبر 2019م.

وقالت الدراسة: إن أهم ما شهدته حركة ديسمبر 2019م، هو تعيين لواء جديد في منصب مهم وحساس داخل المجلس العسكري، وذلك المنصب تحديدًا، كان يحرص السيسي على توليته لشخصية مقربه منه؛ لأنه يعتبر وزير اقتصاد المؤسسة العسكرية الفعلي، بل وزير اقتصاد الدولة المصرية ككل، فمنذ تعيين اللواء محمد أمين نصر الشخصية المقربة من السيسي كما يعرف داخل الجيش والذي ظل في منصب رئيس هيئة الشئون المالية لمدة تقارب الخمس سنوات مستشارا للسيسي للشئون المالية، في يونيو 2019م، ظل أمين نصر يقود هيئة الشؤون المالية طيلة الشهور الماضية، ولكن في حركة ديسمبر قرر السيسي تعيين لواء جديد لذلك المنصب، وهو اللواء أحمد بهجت الدمرداش، والذي يعرف داخل الجيش بشخصيته الحيادية، حيث ينأى بنفسه في الدخول في أي صراعات.

سامي عنان

وخلصت الدراسة إلى أنه يمكن اعتبار أن إفراج السيسي عن الفريق سامي عنان رئيس أركان الجيش المصري الأسبق، بعد اعتقاله لمدة عامين في ظروف سيئة، تعتبر خطوة من خطوات التفاهم التي تمت بين السيسي والأطراف المعارضة له داخل المؤسسة العسكرية تحديدًا؛ لأن ملف اعتقال سامي عنان كان من أهم الملفات التي تسببت في زيادة غضب الطرف المناوئ لعبد الفتاح السيسي، ويعتبر البعض أن الفريق سامي عنان كان من أهم رموز الطرف المناوئ لسياسة عبد الفتاح السيسي داخل المؤسسة العسكرية، إن لم يكن رمزها الأول.

عنان وحركة ديسمبر: الأسباب والتداعيات

Facebook Comments