في خطوة كشفت عن نوايا الانقلاب العسكري الخبيث، وافق مجلس الوزراء الانقلابي على مشروع قانون بتعديل بعض مواد قانون 177 لسنة 2018، الذي ينشئ الصندوق السيادي، والتي تنص على “منع المواطنين من الطعن على نقل ملكية الأصول من جهات الدولة إلى الصندوق، ويقتصر حق الطعن بحسب مشروع القانون على الجهة المالكة للأصل أو الصندوق، ولا يحق رفع الدعاوى ببطلان العقود إلا من أطراف التعاقد”.

فتش عن الهدف

وعادة ما تؤسس الدول صناديق الاستثمار السيادية من فوائض الأموال والثروات لديها، والتي تتجاوز قدرة الاقتصاد المحلي، فتُوجه إلى الخارج بغرض تعظيم العائد عليها، أو تُستثمر في مشاريع تمثل قيمة مضافة للأجيال في المستقبل أو كاحتياطي وقت الأزمات، إلا أن الوضع مختلف حين يتعلق الأمر بصندوق مصر السيادي.

ووصف مسئولون سابقون وخبراء تلك الخطوة بالخطيرة والمثيرة للقلق، وتؤشر على أن النظام المصري ينتوي استغلال تحصين صندوق مصر السيادي والتصرف في أملاك المصريين، دون الحق في اعتراضهم أو ممانعتهم.

الخبير الاقتصادي، أحمد ذكر الله، وصف قرار الحكومة الأخير “بالهروب من المسئولية، وعدم الوقوف أمام الشعب للمساءلة والمحاسبة على إهدار أملاكهم”.

وأضاف، فى تصريح له، أن “نظام السيسي يحاول أن يبتعد ما أمكن عن أي مساءلة أو مراقبة أو محاسبة؛ بمعنى أن مجمل القوانين والقرارات التي صدرت بشأن القطاع الاقتصادي في مصر بداية من عام 2014 وحتى الآن، كلها تسهل الابتعاد عن الشفافية والرقابة والمحاسبة”.

حكاية صندوق مسروق

ويبلغ رأس مال الصندوق 200 مليار جنيه، والمدفوع 5 مليارات جنيه فقط، مع الإشارة إلى أن مصر لا تملك أي فوائض مالية أو ثروات كبيرة لاستغلالها.

إلا أن أيمن محمد سليمان، المدير التنفيذي للصندوق، توقع زيادة رأسمال الصندوق المرخص به إلى تريليون جنيه، وقال في تصريحات صحفية، 12 نوفمبر الماضي، إنه يتوقع أن يتم ذلك خلال ثلاث سنوات أو أقل “حسب الشهية الاستثمارية واستجابة المستثمرين”.

وفي يوليو 2018، أقر برلمان الانقلاب مشروع قانون إنشاء الصندوق السيادي، الذي أعلنت عنه الحكومة في أبريل 2018؛ بهدف استغلال أصول الدولة، والتعاون مع المؤسسات والصناديق العربية والدولية.

وتعد الكلمة الأخيرة في نقل أصول وأملاك الدولة لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، إذ ينص القانون على أن نقل ملكية أي من الأصول غير المستغلة المملوكة للدولة إلى الصندوق أو أي من الصناديق التي يؤسسها يكون بقرار منه.

السرقة المباحة

الدكتور عمرو دراج، كشف عن سرقة نظام السيسي لأموال الشعب المصري من خلال إطلاق يده في بيع ونقل ما يشاء، وقال: “الأمر واضح، السيسي يريد سرقة ما تبقى من أصول الدولة لوضعها فيما يسمى بالصندوق السيادي دون مساءلة”.

وفي تصريح له، أكد فراج أن هذا الأمر “سيتيح للسيسي أمرين مهمين، الأول الاستمرار في الاقتراض بضمان هذه الأصول لتمويل المشاريع الفاشلة وعمليات النهب والفساد، والثاني بيع الأصول في مرحلة لاحقة دون رقابة أو حساب”.

ولكنه أشار إلى إمكانية إسقاط هذه المادة من خلال القضاء؛ باعتبارها مادة غير دستورية في حال وجد قضاء نزيه ومحايد، قائلا: “هذه المادة دون شك غير دستورية؛ حيث تحصن عمليات نهب المال دون رقابه، لكن في عصر السيسي لا يوجد مع الأسف قضاء يمكن أن نعول عليه في تقييد جموح الحاكم المستبد الفاسد ومن معه من طغمة حاكمة”.

تعديلات أخرى

وإضافة إلى تحصين الصندوق، أوضح “الوزراء” أن المشروع في مادته الأولى ينص على أن يستبدل بعبارة “صندوق مصر” عبارة “صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية” أينما وردت في القانون وفي أي من القرارات.

وأضاف المجلس أن مشروع القانون ينص في مادته الثانية على أن يُستبدل بنصوص المواد (3، و6 فقرة ثالثة، و19) من القانون رقم 177 لسنة 2018 بإنشاء صندوق مصر، نصوص أخرى، مختصرها الآتي:

مادة 3: تنص على أن الصندوق يهدف إلى المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال إدارة أمواله وأصوله.

مادة 6 فقرة ثالثة: تنص على أن يتم قيد الأصول في دفاتر الصندوق بالقيمة السوقية وفقا لقواعد وإجراءات التقييم التي يحددها النظام الأساسي وبما لا يتعارض مع الآليات والأحكام المنصوص عليها في المادة (8) من هذا القانون، ولمجلس إدارة الصندوق أن يعهد بإجراء التقييم إلى أحد بيوت الخبرة العالمية في الأحوال التي تقتضي ذلك.

مادة 19 فقرة أخيرة: تنص على أن ترد الضريبة على القيمة المضافة التي تسدد من الصناديق الفرعية، أو الشركات التي يساهم فيها الصندوق بنسبة تزيد على 50% من رأسمالها، في حدود نسبة مشاركته فيها، وذلك كله دون الإخلال بأي إعفاءات منصوص عليها في أي قانون آخر.

وأوضح “الوزراء” أن المادة الثالثة من مشروع القانون تنص على إضافة مواد جديدة، مختصرها:

المادة 6 مكررا: وتنص على أن يُودع قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول المنصوص عليها بالمادة (6) من القانون مكتبَ الشهر العقاري المختص، بغير رسوم، ويترتب على هذا الإيداع آثار الشهر القانونية.

المادة 6 مكررا أ: منع الطعن عليه إلا من الجهة المالكة أو الصندوق المنقول له.

المادة 6 مكرر ب: تقضي المحكمة بعدم قبول الطعون أو الدعاوى من غير الأطراف المذكورين فيها.

إدارة أصول الدولة

وتختلف آلية عمل صندوق مصر السيادي عن غيره من الصناديق الاستثمارية، في أن مصر ليس بها فوائض مالية كي يديرها الصندوق، وبدلا من ذلك تتجه إدارته نحو أصول الدولة المستغلة وغير المستغلة، وهذا ما تؤكده تصريحات المدير التنفيذي للصندوق.

ففي 12 نوفمبر الماضي، صرح أيمن محمد سليمان، بأن الصندوق تلقى عروضا استثمارية لاستغلال مباني منطقة القاهرة الخديوية، ومنها مجمع التحرير، وذلك مع اقتراب إخلائه ونقل الإدارات التي بداخله إلى العاصمة الإدارية الجديدة، فضلا عن نقل ما يقرب من 30 أصلا من الأصول غير المستغلة إليه.

لا توجد فوائض

يقول الخبير الاقتصادي أحمد النجار: “إن مصر دولة تعاني من عجز مالي، سواء عجز الحساب الجاري، أو عجز الميزان التجاري، وارتفاع الدين العام، وبالتالي فإن الظروف المالية لإنشاء أي صندوق سيادي لإدارة الفوائض غير موجودة من الأساس في مصر”.

تأتي تصريحات النجار تزامنًا مع إعلان وزارة المالية، 12 ديسمبر الجاري، عن بلوغ إجمالي الدين الخارجي الحكومي في 30 يونيو الماضي نحو 109 مليارات دولار، بنسبة 33.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نسبة 37%، في نفس الفترة من 2017.

وفي البيانات الصادرة عن الموازنة العامة للعام المالي الجاري، فقد ارتفعت فوائد القروض المحلية والأجنبية خلال العام بمقدار 160.3 مليار جنيه، بنسبة 42%، لتبلغ نحو 541.3 مليار جنيه، مقابل 380.9 مليار جنيه عن العام الماضي.

كما ارتفع إجمالي الدين العام المحلي بنسبة 20.25% على أساس سنوي، إلى 4.108 تريليونات جنيه (241.9 مليار دولار) بنهاية ديسمبر الماضي، بحسب بيانات وزارة المالية، 21 مايو الماضي، أي أن ما اقترضته مصر من يونيو 2014 إلى وقت صدور البيانات، قد تجاوز قروض مصر مجتمعة طيلة الـ50 عاما الأخيرة.

Facebook Comments