كان أبرز ما يميز الدكتور محمد عمارة معاركه وسجالاته، وهكذا كتب عنه العلامة د.يوسف القرضاوي: “لم يكن يحيا في برج عاجيٍّ أو صومعة منعزلة، إنما عاش في قلب المعركة؛ حارسًا يقظًا مرابطًا على ثغور الفكر الإسلامي”.

فمن صدى المعارك ووقع السجالات، كان الجميع يتشوق لقراءة الدكتور عمارة عبر كتبه والفيديوهات التي رشحت أخيرًا لمحاضراته، والتي بدأت قناة “دعوة” في بثها، بعدما امتنعت قنوات أمراء السعودية “اقرأ” و”الرسالة” عن ذلك، بعد مواقفه الرصينة والتي تُحسب له في تاريخه من الانقلاب العسكري في مصر.

من يستمع إلى محاضراته يندهش لغزارة علمه وقوة حججه في الرد على المستشرقين واللادينيين والوجوديين والملاحدة.

سمعته بأذني في منتدى يمني كان يقام على نيل القاهرة، قبل سنوات، وهو يخاطب ماركسيا، وهو يحاججه بأقوال مفكري الشيوعية، يقول: “كنت ماركسيا وأنت كنت ترتدي الشورت”!.

يبدو أن تجوله الأيديولوجي أكسبه خبرة التعرف على كواليس المعسكر الأحمر (الماركسية، والشيوعية، والاشتراكية) فبات الأقدر على مناظرتهم ومجادلتهم وإقناعهم، فظلت مقالاته في الهلال إبان رئاسة صلاح عيسى لها، وعندما تولى الأخير رئاسة تحرير القاهرة استدعاه بمقاله إليها، هذا فضلا عن مقاله الثابت بالشعب “هذا ديننا” وبعنوان مشابه في آفاق عربية.

يحكي محرر الوثائقيات السوري، معتز الخطيب، أن “منير شفيق وعزمي بشارة، وكلاهما كان من أصحاب الفكر اليساري، تتلمذا على كتابات اليساري حتى 1958 محمد عمارة، الطريف أيضا أنه سجن في عهد عبدالناصر على أنه يساري!”.

وعرفت مصر الكثير من هذا التحول الأيديولوجي من الفكر اليساري إلى الإسلامي، ومن هؤلاء عادل حسين، والمستشار طارق البشري، إلا أن الدكتور عمارة كان الأكثر سعيًا نحو إنقاذ التغريبيين، ومن عُرف عنهم أنهم رموز للعلمانية من الغرق في وحل العلمانية بشتى الوسائل حتى بعدما ماتوا، ومن أمثلة هؤلاء الشيخ محمد عبده، والدكتور طه حسين.

طه حسين تاب

وفي أغسطس 2014، فتح د.محمد عمارة النار على أسرى التغريب والغزو الفكري، وفجّر قنبلة جديدة بكتاب يقول فيه إن طه حسين تخلّى عن انبهاره بالغرب وانتصر للنموذج الحضاري الإسلامي في آخر حياته، ودليله نص الدعاء الذي أوصى عميد الأدب العربي ليكتب على قبره.

وكتب الدكتور عمارة في ذلك كتابا بعنوان “طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام”، يتحدث فيه عن مراحل التطور الفكري للدكتور طه حسين، ليثير سجالًا جديدًا في أوساط محبي عميد الأدب العربي وكارهيه.

الكتاب نُشر كهدية مع العدد الشهري لمجلة الأزهر التي كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت د.محمد عمارة.

ويبدو أن الجميع يعلم أن طه حسين رمز تغريبي، ولكن الدكتور عمارة فند حياته على أربع مراحل، أبرزها المرحلة الثانية، التي عاد فيها من فرنسا مبهورا بالغرب الإغريقي والروماني والفرنسي، والتي كان فيها درويشا في عالم التغريب يقترف العدوان على عدد من عقائد ومقدسات الإسلام.

ولكنه في المرحلة الرابعة بعد مرحلة التناقضات والمراجعات أسماها عمارة “مرحلة الإياب الفكري لطه حسين.. الإياب الصريح والحاسم إلى أحضان العروبة والإسلام، وهي المرحلة التي بدأت بارتباطه الوثيق بثورة يوليو ومعاركها الوطنية ضد الاستعمار الغربي، وفي سبيل القومية العربية والهوية العربية.

وقال د.عمارة: إن طه حسين في تلك المرحلة أفصح عن إيابه الروحي إلى الإسلام، وعن قناعته الحضارية بأن العرب والعروبة هما مادة الإسلام.

واعتبر أن كتابه “الشيخان” خواتيم أعماله بمثابة ختام لمشروعه الفكري، وبدأ هذا الكتاب بـ“بسم الله الرحمن الرحيم” وأكثر فيه من الصلاة والسلام على رسول الله أكثر من مائة وستين مرة، وأدام فيه الترحم على صحابة رسول الله  رضى الله عنهم.

وأضاف د. عمارة أن طه حسين أعلن في “الشيخان“- تأكيدا لما جاء في كتابه “مرآة الإسلام”– أن الإسلام قد أقام أمة سياسية، مصدر السياسة فيها هو الإسلام، وأقام دولة قانونها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأن القضاء كان سلطة مستقلة من سلطات هذه الدولة الاسلامية، قانونها القرآن والسنة والاجتهاد”.

واستشهد د. عمارة بدعاء أوصى طه حسين أن يحفر على قبره هذا الدعاء النبوي: “اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيّوم السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق ووعدك  الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم  لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت ، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي.. لا إله إلا أنت”.

سجال المناظرات

وبدأ الدكتور محمد عمارة في ذيوع اسمه وصيته أثناء مناظرتين، واحدة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 7 يناير 1992، فكان في جانب إلى جوار الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، والمستشار مأمون الهضيبي المتحدث الرسمي للإخوان آنذاك، بمواجهة فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله، وكان العنوان “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية” وحضر المناظرة آلاف الشباب أغلبهم ينتمي للتيار الإسلامي.

أما الثانية فكانت بنفس العنوان تقريبا، وشارك إلى جوار الدكتور عمارة د.محمد سليم العوا، ودارت رحاها في 27 يناير من العام ذاته، وشارك فرج فودة ضمن أنصار الدولة المدنية مع الدكتور فؤاد زكريا.

يقول عنه د.إبراهيم البيومي غانم: “خاض العلامة عمارة أيضا معارك ثقافية لا حصر لها لدحض آراء المناوئين للفكرة الإسلامية. وهو من أكبر كبار العلماء في عصرنا الذين فندوا دعاوى العلمانية ودعاوى الإلحاد، وكل المبادئ التي رآها تتطاول على أصول الإسلام وتشوه حقائقه في أذهان الأجيال الشابة، وله عشرات المؤلفات في هذه القضية، وهي واسعة الانتشار ومعروفة جدا”.

وأضاف “خاض العلامة عمارة معارك فكرية على جبهات كثيرة جدا، وفي وقت واحد. خاض معركة الإحياء والتجديد، وخاض معركة الدفاع عن أصول الإسلام وعقائده ومبادئه العليا، وخاض كذلك معركة الدفاع عن الأمة ومصالحها في الميدان السياسي، وميدان الجهاد والاستقلال، ومحاربة الاستعمار والتدخل الأجنبي في شئوننا الداخلية”.

وتابع “كان منذ نعومة أظفاره منخرطا في الحركة الوطنية وفي الدفاع عن مصر، وعن العالم العربي، وعن الأمة الإسلامية، وعن قيم الحق والخير والعدل والحرية”.

وأردف “غانم”، قائلا: “في بعض أحاديثه الشفوية كان يبادر محدثه بروح الأسد الهصور حفظه الله قائلاً: “تعرف فلانا (ويذكر اسم أحد المهاجمين للإسلام، أو الكارهين لأمته وتراثها في مصر أو خارجها) فيقول: نعم. فيرد: لقد كتب كذا وكذا، وتهجم على ثوابت الأمة في كذا وكذا. ثم يقول: «بس إيه… أنا مسبتوش…إلا بعد ما «وضبته» وما أن يسمع أحد من أهل مصر كلمة «وضبته» (عامية تعني: أدبته وبالغت في تأديبه، فأحسنت صنعا) حتى يفهم كل مقول القول، ولا يبقى إلا الاسترسال في الضحك معه والاستماع إلى حلو حديثه”.

باحث ومحقق

ونقل د.عمارة معاركه وسجالاته إلى الورق أو الكتب بالأحرى، فسجل المناظرة الشهيرة مع فرج فودة وفؤاد زكريا ونصر حامد أبو زيد وغيرهم، فكان من أواخر مؤلفاته في الفكر الحديث: «الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديل الأمريكاني»، «الغرب والإسلام _أين الخطأ.. وأين الصواب؟»، «مقالات الغلو الديني واللاديني»، «الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية»، «مستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية»، «أزمة الفكر الإسلامي الحديث»، «والإبداع الفكري والخصوصية الحضارية»، وغيرها كثير.

وحصل مبكرا على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية والدروع، منها “جائزة جمعية أصدقاء الكتاب، بلبنان سنة 1972م”، وجائزة الدولة التشجيعية بمصر سنة 1976، ووسام التيار الفكري الإسلامي القائد المؤسس سنة 1998م.

كما حقق أبرز أعلام اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة، جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي.

ألف الكتب والدراسات عن أعلام التجديد الإسلامي مثل: الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا، والشيخ محمد الغزالي، ورشيد رضا، وخير الدين التونسي، وأبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، وحسن البنا، ومن أعلام الصحابة علي بن أبي طالب، كما كتب عن تيارات الفكر الإسلامي القديمة والحديثة، وعن أعلام التراث من مثل غيلان الدمشقي، والحسن البصري.

Facebook Comments