لا يمكن فصل الجدار الإلكتروني الذي شرعت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية في إنشائه على الحدود مع قطاع غزة، والذي يمتد لمسافة 14 كم، عن السياق الإقليمي والدور المصري المشبوه في صفقة القرن الأمريكية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر منح القدس عاصمة للصهاينة وشرعنة المستوطنات الصهيونية، وإلغاء حق العودة لأكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني.

الجدار الإلكتروني الجديد يبعد عدة أمتار عن الجدار الإسمنتي الذي بدأت الهيئة الهندسية في إنشائه فبراير الماضي، ويحمل مجسات إلكترونية وكاميرات حرارية تحول دون اقتراب أي شخص من الحدود بين فلسطين ومصر بمسافة 14 كيلومترا، من معبر كرم أبو سالم وحتى شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

الهدف المعلن من إقامة هذا الجدار هو منع أي محاولات تسلل على الحدود بين قطاع غزة وسيناء، على الرغم من الإجراءات الأمنية التي يتخذها الجانب الفلسطيني منذ سنوات، وكذلك على الرغم من انتهاء فترة الأنفاق التجارية بشكل كامل بعد تهجير سكان مدينة رفح الحدودية، وهدم منازلهم.

الجدار يأتي في سياق تشديد الحصار المصري الصهيوني والمفروض على قطاغ غزة منذ 2007م، عندما تمكنت حركة حماس من دحر مليشيات تابعة لمحمد دحلان وحركة فتح كانت تقوم بممارسات إجرامية وفلتان أمني لإفشال حماس، التي فازت بالمجلس التشريعي سنة 2006م.

سر الـ12 مشروعًا بسيناء!

لكن الجدار يفتح الباب واسعا أمام علاقة هذا الإجراء بالدور القذر الذي يقوم به نظام الانقلاب في مصر من أجل تمرير صفقة القرن، وكذلك يتعلق بالخرائط الجديدة التي تستهدف تواصلا  جغرافيا بين القطاع وشمال سيناء في ظل تخصيص أكثر من 9 مليارات دولار لإقامة 12 مشروعا في شمال سيناء؛ بهدف توفير مئات الآلاف من فرص العمل لأهالي قطاع غزة؛ فلماذا لم يتم إنشاؤها في غزة من الأساس بدلا من سيناء؟!.

الإجابة عن هذا السؤال تؤكد العلاقة بين القطاع وسيناء، حيث كان الصهاينة والأمريكان حريصين على إقامة وطن بديل للفلسطينيين في سيناء وغزة، لكن الرفض الشعبي العارم حال دون تنفيذ هذه المخططات الخبيثة بشكل صريح ومباشر؛ فلجأ القائمون على الصفقة الحرام إلى استخدام التدريج لتكريس هذه المخططات. وهو ذات الأسلوب الذي فعلوه بالضبط في اتفاق أوسلو سنة 1993م، والذي وضع له إطار زمني 25 سنة، رغم أن وثيقة “بيلين/ أبو مازن” تضمنت المقترحات التي ذكرتها صفقة القرن منذ اتفاق أوسلو، وكشفت أبعاد الاتفاق المشبوه رغم نفي الطرفين وقتها، لكن صفقة القرن فضحت كل هذه المخططات.

بناء الجدار لا يعد الإجراء الأول من نوعه من جانب سلطات الانقلاب، والذي يهدف إلى القضاء على الأنفاق الفلسطينية من قطاع غزة، فقد أنشأت القاهرة منطقة عازلة على طول الحدود المصرية مع القطاع، بمسافة 14 كيلومترا، في أكتوبر 2014، بعمق 500 متر في الجانب المصريّ وعلى طول الحدود، ليصل عمق هذه المنطقة في أكتوبر 2017 إلى 1500 متر.

الدور الأمني

يرتبط هذا الجدار بالأدوار المشبوهة لنظام السيسي في «صفقة القرن»، عبر تحجيم المقاومة الفلسطينية والضغط على حركتي حماس والجهاد من أجل عدم التصعيد ضد الكيان الصهيوني على خلفية البنود المجحفة في صفقة القرن، ومحاولات إقناع فصائل المقاومة بعدم الربط  بين التهدئة في غزة والصفقة الأمريكية.

وتستهدف الخطة الأمريكية سيطرة السلطة على قطاع غزة أو أي جهة أخرى ترضى عنها “إسرائيل”، بحسب نص الصفقة المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية؛ وهو ما يشير إلى وجود أو دراسة توجهات بضم قطاع غزة إلى مصر بحيث يتولى السيسي فعليا القضاء على المقاومة الفلسطينية لحماية أمن الكيان الصهيوني، على أن يتم إظهار السيسي بدور البطل الذي يوسع مساحة أرض مصر واستعادة قطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري حتى هزيمة 5 يونيو 1967م.

الفخ الذي تحاشاه الرئيس مرسي

في هذا السياق، سبق أن كشف الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل، عن مقترحات غربية أُرسلت للرئيس الشهيد محمد مرسي، بأن يضم غزة إلى مصر وتحل كل مشاكلها، شرط تحمله مسئولية أي صاروخ ينطلق من القطاع، فرفض مرسي ورفضت حماس وانتهى الأمر.

وبحسب مصادر مطلعة بحكومة الانقلاب، فإن نظام السيسي يرغب من الإدارة الأمريكية أن تدرك صعوبة مهمة تكليف مصر بإدارة الملف الأمني في غزة والسيطرة على حركة “حماس” وتحجيم قوتها العسكرية، والتي سبق للسيسي محاولة إنجازها في صورة “المصالحة الفلسطينية”، والتي شهدت انتكاسة كبرى العام الماضي، وأن تسعى واشنطن لتأمين ودعم التحركات المصرية بمزيد من المساعدات المالية للقاهرة وغزة على السواء.

وثمة غضب بين فصائل المقاومة من الموقف الأمريكي الصهيوني المصري، وقد أبلغ قادة بحماس مخابرات السيسي بأنّ مبدأ خذ ثمّ فاوض الذي تتبناه السعودية والإمارات هو مبدأ يليق بالصفقات التجارية، وليس مبدأ مفاوضات سياسية بشأن مستقبل الأوطان”، مضيفةً أنّ حماس “تلقت دعما كبيرا” خلال جولة رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية الخارجية الأخيرة من محاور إقليمية.

ودور السيسي هنا هو القيام بدور  الحارس للكيان الصهيوني وإخماد نار الغضب الفلسطيني، ومنع تصعيد الموقف رفضًا للصفقة المشبوهة، وكانت حماس ترى في الوساطة المصرية تخفيفا عن أهالي القطاع الذين يعانون من صعوبات حادة بفعل الحصار المصري الصهيوني، ولكن الأمر الآن بات يرهن هذه الوساطة والتهدئة بالتنازل والتفريط في القدس وفلسطين، وهو ما يضع جهود التهدئة والوساطة المصرية أمر اختبار قاس.

ولا يمكن تجاهل ما قام به نظام السيسي على طول الحدود مع غزة من تجريف وتهجير وهدم لجميع الأنفاق التي تكانت تستخدم في عمليات تهريب السلاح والسلع للقطاع؛ كما أن تقارير عبرية تؤكد أن الهدف من العملية الشاملة في سيناء هو منح طيران الاحتلال فرصة ملاحقة عمليات التهريب؛ وبالطبع لا يهدف نظام الانقلاب في مصر من ذلك سوى إضعاف شوكة المقاومة وإجبارها على الانصياع للصفقة، أو التهديد بحرب ممتدة لا تستطيع فيها الصمود كما حدث في الحروب السابقة. وهو بذلك بقوم بدور مشبوه باستخدام العصا والجزرة من أجل تكريس المخططات الأمريكية الصهيونية في مصر والمنطقة.

Facebook Comments