كشفت تقارير إعلامية، نقلًا عن مصادر مطلعة بحكومة الانقلاب، عن أن الأجهزة الأمنية للنظام العسكري ألقت القبض، منذ منتصف أبريل الماضي، على عشرات الشباب بتهم تتعلق بإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أخبار ومعلومات يصفها النظام بالكاذبة دون اتهامهم ــ كما هو معتاد ــ بالانتماء لجماعة إرهابية.

وتم  تحويل هؤلاء الشباب ــ الذين لا ينتمون إلى أي حزب أو اتجاه سياسي ــ إلى محاكمات عاجلة أمام دوائر الجنح؛ بهدف إصدار أحكام سريعة بحبسهم لفترات تمتد من ثلاثة أشهر حتى ثلاث سنوات.وبحسب صحيفة "العربي الجديد"، فإن هؤلاء الشباب ليس لهم انتماءات سياسية وليس لهم سابق نشاط معارض ضد نظام السيسي، ويمكن تصنيف المحتوى الذي تم القبض على هؤلاء الأشخاص بسببه إلى خمسة نماذج رئيسة: (كتابة منشورات أو تغريدات قصيرة تحمل سخرية من سياسات النظام أيا كانت مجالاتها ــ نشر صور ساخرة من رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي والمسئولين ــ مشاركة منشورات أعدها مجهولون تحمل عبارات ساخرة أو تنسب تصريحات غير صحيحة للمسئولين ــ  مشاركة منشورات تنتقد تعامل الحكومة مع أزمة كورونا ــ التواجد في مجموعات على تطبيقي "واتساب" و"تليجرام"، والحديث في السياسة بصورة انتقادية أو ساخرة)

.

5 رسائل ودلالات

الدلالة الأهم هي أن هذه النوعية الجديدة من الشباب المعتقل تعكس حالة الهوس والخوف الشديد من اندلاع ثورة شعبية، والنظام لا يجيد سوى القمع، ويرى أن البطش الشديد كفيل بإخضاع الشعب وإطفاء أي جذوة من غضب يمكن أن تفضي إلى اندلاع ثورة جديدة.

كما تعكس عدم اكتراث النظام بتوسيع نطاق العداوات ضد جميع فئات الشعب وطوائفه، ورغم كارثية النتائج المتوقعة من هذه السياسيات القمعية، إلا أن النظام ماض في القمع وتشديد القبضة الأمنية دون اكتراث أو حتى تقييم هذه السياسيات العقيمة التي يمكن أن تفلح حينا، لكنه حتما ستنهار وربما يكون هذا الانهيار سريعا وكارثيا على مكونات نظام 3 يوليو العسكري.

ثانيا: توسيع استخدام قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية من ملاحقة مقاطع الفيديو التي تبث محتوى غير أخلاقي، كما جرى مع الراقصة سما المصري والفتاتين حنين حسام ومودة الأدهم إلى ملاحقة البوستات والتعليقات التي تحمل صبغة سياسية تحمل نبرة معارضة للنظام، تؤكد حالة الهوس التي يعيش فيه النظام، فقد تضمنت الأحراز في بعض القضايا محادثات سرية عبر التطبيقين (إنستجرام وتليجرام) من داخل مجموعات محادثة مختلفة، معظمها لأشخاص مغمورين ليس لهم أي نشاط سياسي حركي، ولا يعملون في وظائف مرموقة على الإطلاق، ما يعكس حجم الجهد الذي تبذله قطاعات وزارة الداخلية المختلفة، وعلى رأسها الأمن الوطني ومباحث الإنترنت، لاختراق أكبر عدد ممكن من مجموعات المحادثة، التي من المفترض أن تكون سرية، لاختراقها والتجسس على أعضائها.

ثالثا: تكريس دولة المخبرين والجواسيس، فقد أوضح محامٍ حضر تحقيقات حديثا مع بعض الشبان المضمومين للقضيتين 1898 لسنة 2019 و558 لسنة 2020 حصر أمن دولة، إلى أن كل المطلوب من بعضهم، خلال خضوعهم للاستجواب لعدة أيام في مقار الأمن الوطني قبل الإحالة للنيابة، هو الكشف عن تفاصيل عمل وآراء وتحركات بعض أصدقائهم ومعارفهم من النشطاء السياسيين والشخصيات المعروفة بمواقفها المعارضة للنظام على مواقع التواصل الاجتماعي.

والمفارقة أن بعض هؤلاء الأصدقاء طلقاء، وليس مقبوضا عليهم، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة حول فلسفة الداخلية في اختيار المتهمين وفتح هذه القضايا؛ لكنه عموما يمكن تصنيفه على أنه تكريس لدولة المخبرين وتجنيد بعض الشباب للعمل كجواسيس على أصدقائهم وزملائهم. ومن أجل تجنيد هؤلاء يتم تهديدهم بالحبس والغرامة الباهظة.

رابعا: عدم اكتراث النظام لتفشي العدوى وانتشار وباء "كورونا"، فرغم الاهتمام العالمي الواسع بمكافحة العدوى، إلا أن أجهزة السيسي الأمنية تمنح الأولوية المطلقة لمكافحة معارضي النظام والدفع بهم في السجون ومقرات الاحتجاز، رغم أنها تمثل بؤرة من بؤر العدوى؛ لعدم النظام والازدحام الكبير وعدم توافر أي مقومات للحماية أو الوقاية من العدوى.

وإصرار النظام على استمرار حملات الاعتقال في ظل هذه الأجواء يعكس مدى الخوف وحالة الهوس التي يعيش فيها النظام في ظل تآكل الاحتياطي النقدي والتوسع في الاستدانة وتراجع موارد الدولة، بما يهدد النظام بالإفلاس إذا استمرت هذه الأزمة حتى نهاية العام الجاري.

خامسا: تكريس الوصاية السلطوية على حرية الرأي والتعبير وتوظيف التشريعات الشاذة لخدمة هذه الأهداف القمعية، فقد صدق السيسي على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (قانون الجريمة الإلكترونية) في 18 أغسطس 2018، وكان البرلمان قد وافق عليه قبلها في 5 يوليو، ليمنح الحكومة سلطة جديدة لتقييد الحقوق الرقمية والتدخل في حريات الناشطين عبر الإنترنت.

كما مرر البرلمان أيضًا، في أغسطس 2018م، مشروع قانون خطير آخر (قانون تنظيم وسائل الإعلام) وصدق عليه السيسي في 27 أغسطس 2018، والذي يُخضع كل شخص يملك حسابا على وسائل التواصل الاجتماعي لديه ما يزيد عن 5 آلاف متابع للمراقبة من قبل جهات حكومية.

ولدى السلطات المصرية تاريخ طويل من المحاولات المتصاعدة لتقييد الحريات عبر الإنترنت.  ففي 24 مايو 2017، بدأت حكومة الانقلاب بحجب المواقع على نطاق واسع حتى وصل عدد المواقع المحجوبة إلى أكثر من 500 موقع. لم تعلن أي جهة حكومية مسئوليتها عن حجب هذه المواقع الإلكترونية أو تقدم أسبابًا لذلك، باستثناء قرار لجنة نهب أملاك جماعة الإخوان المسلمين بحجب 33 موقعًا إلكترونيًا.

وقد بذلت محاولات حقوقية عديدة لجعل الحكومة تكشف عن الأساس القانوني للحجب، وأقيمت ثلاث دعاوى أمام محكمة القضاء الإداري لنفس السبب. وجاء إصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في هذه الفترة ليبدو وكأنه محاولة من السلطة لتقنين ما اتخذته من خطوات قمعية فيما يتعلق بحجب مواقع الويب، وفرض السيطرة الكاملة على الإنترنت.
 

المراقبة الجماعية للاتصالات

ويكرس قانون الجرائم الإلكترونية أيضًا المراقبة الجماعية للاتصالات في مصر. وفقًا للقانون الحالي، يُطلب من مقدمي خدمة الإنترنت الاحتفاظ ببيانات استخدام العملاء وتخزينها لمدة 180 يومًا، بما في ذلك البيانات التي تمكن من تحديد هوية المستخدم، والبيانات المتعلقة بمحتوى نظام المعلومات، والبيانات المتعلقة بالمعدات المستخدمة.

وهذا يعني أن مزودي خدمات الإنترنت سيكون لديهم البيانات المتعلقة بجميع أنشطة المستخدم، بما في ذلك المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والمواقع التي تمت زيارتها والتطبيقات المستخدمة على الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر. كما يمكن للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات (NTRA) إصدار قرار إداري يلزم شركات الاتصالات بحفظ “بيانات أخرى” دون تحديد ما هي، ودون النص عليها في القانون.

كما تم منح جهات الأمن القومي (عرفها القانون بأنها: رئاسة الجمهورية، والقوات المسلحة، ووزارة الداخلية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية) الحق في إمكانية الوصول للبيانات  المشار إليها في الفقرة السابقة. كما يلزم مزودي خدمات الإنترنت بتوفير “الإمكانيات الفنية” لتلك الجهات.

كل هذه الصلاحيات الشاذة تتعارض مع المادة 57 من دستور الانقلاب سنة 2014م والتي تنص على: “للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون”.

بالإضافة إلى ذلك، فإن قانون تنظيم عمل الصحافة ووسائل الإعلام يوسع من سلطة فرض الرقابة على حسابات الأفراد الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي والتي يبلغ عدد متابعيها 5 آلاف متابع، فمن حق المجلس الأعلى للإعلام حجبها إذا رأى أن هذه الحسابات تنشر أو تبث أخبارًا كاذبة، أو ما يدعـو أو يحرض على مخالفة القانون أو إلى العنف أو الكراهية أو ينطوى على تمييز بين المواطنين، أو يدعو إلى العنصرية أو التعصب أو يتضمن طعنًا فى أعراض الأفراد أو سبًا أو قذفًا لهم أو امتهانًا للأديان السماوية أو للعقائد الدينية.

Facebook Comments