الدولة العميقة لم تستسلم مطلقا لثورة يناير 2011م، أطيح بالرئيس المخلوع حسني مبارك نعم، لكن بقي النظام كما هو بل راحت الأجهزة تحيك الخطط والمؤامرات وتثير الفوضى والفلتان الأمني، لإفشال المرحلة الانتقالية، والحيلولة دون الانتقال لنظام ديمقراطي يمكن أن يهدد معادلة الحكم التي كانت قائمة والتي تعتمد على ضرورة أن يبقى نظام الحكم بيد الجنرالات من جهة والالتزم حرفيا باتفاقية كامب ديفيد ومنع إقامة نظام ديقراطي حقيقي وتداول للسلطة من جهة أخرى؛ لما في ذلك من خطورة على المصالح الأمريكية في المنطقة وعلى رأسها حماية أمن الكيان الصهيوني.

ومن الأدلة الدامغة على أن الدولة العميقة راهنت على إثارة الفوضى والفلتان الأمني وصولا إلى مشهد انقلاب 3 يوليو هناك دليلان قويان ورغم ذلك لم يفتح النائب العام التابع لسلطة انقلاب 3 يوليو تحقيقا فيهما حتى اليوم.
الأول هو التسريب الصوتي لضابط كبير بأمن الدولة مع رئيس حزب الوفد السابق سيد البدوي، وهو التسريب الذي تم بثه في 2015م ويرجح أنه جرى أواخر 2011م أو خلال يناير أو فبراير 2012م على أقصى تقدير؛ لأن الضابط كان يوجه السيد البدوي بالابتعاد عن الإخوان شاكيا كثافة الظهور الإخواني على شاشة قناة الحياة التي كانت مملوكة وقتها لرئيس حزب الوفد السابق. والذي برر ذلك بأنه يطمع أن يكون رئيسا للجمهورية، وأن ذلك لن يحصل إلا بدعم الإخوان باعتبارهم أصحاب شعبية جارفة. ما يعني أن الجماعة في وقت التسريب لم تكن قد أعلنت عن قرارها بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية بمرشح من طرفها وهو القرار الذي صدر في منتصف مارس 2012م.

سيناريو الدولة العميقة

خطورة هذا التسريب أن الضابط الكبير الذي لم تعرف هويته حتى اليوم كشف عن سيناريو الدولة العميقة لمواجهة ثورة يناير والشعبية الجارفة للإخوان المسلمين، وهو التسريب الذي احتوى على تأكيد الضابط الكبير بأن الإخوان لن يحكموا البلد وأنهم سوف يتعرضون خلال السنوات المقبلة لمذابح دموية مروعة. «أنا يا سيد بقولك إن الإخوان دول هيتعمل فيهم إللي متعملش في الكام سنة اللي جايين .. هيدبحوا.. هتطلع مليشيات تدبحهم في بيوتهم .. هتخش عليهم بيوتهم تدبحهم في سرايرهم». وكشف أن هذه المليشيات المسلحة لن يعرف أحد هويتها. وأن مصر سوف تغرق في إرهاب لا يعلم أحد مصدره. «مصر بقى هتغوص في إرهاب محدش عارف مصدره». والإشارة إلى أن حل أمن الدولة هو تهديد لاستمرار أي نظام سياسي وأن مصر لا يمكن أن تدار بدون أمن الدولة وقانون الطوارئ. «ما انتو قلتوا بلاش القوانين ونلغي أمن الدولة». وأخيرا التأكيد على مصادرة جميع أشكال حرية الرأي والتعبير. «اللي هيتكلم هتقتطع رقبته في سريره».
https://www.youtube.com/watch?v=u_YAJU1_ANQ

الدليل الثاني، المقال الذي كتبه الناشط السياسي أحمد ماهر، مؤسس حركة 6 إبريل ومنسقها السابق، تحت عنوان «للأسف كنت أعلم» والمنشور في 13 مايو 2014م والذي يؤكد فيه أنه تلقى دعوة للمشاركة في الانقلاب وأنه كان يعلم منذ فبراير 2013م أن القوى العلمانية اتفقت مع الجيش وقوى نظام مبارك على دعم انقلاب عسكري ضد المسار الديمقراطي وذلك عبر افتعال عنف واشتباكات وسفك دماء وإحداث فوضى ليكون ذلك مبررا لنزول الجيش. وهو ما يتسق مع مضمون تسريب الضابط الكبير مع السيد البدوي.

ويضيف ماهر أن أحد المتواصلين مع الأجهزة الأمنية حذره في إبريل "2013" من أن « الترتيب اللى جاى أن الجيش هو اللى يمسك السلطة وأنتم رافضين ومش عايزين تشاركوا فى الكلام، والناس متخوفة منكم أنكم هاتقولوا برضه يسقط يسقط حكم العسكر، فالترتيب أنكم تختفوا الفترة الجاية، مش هايكون ليكم صوت ومحدش هايسمعكم ولا هايتعاطف معاكم». ومع رفض ماهر لهذه الجرائم وعودة العسكر مجددا جرى التنكيل به والانتقام منه على النحو المعروف باعتقاله عدة سنوات بتهم ملفقة ولا يزال حتى اليوم يعاني من التدابير الاحترازية التي تلزمه بالمبيت في القسم كل ليلة.

مخططات إجرامية ضد الإخوان

أما الإخوان فقد جرى عليهم بالضبط ما كشفه الضابط الكبير في التسريب من المخططات الإجرامية التي كانت خافية ونفذت المليشيات المسلحة انقلابا عسكريا بدعم إقليمي واسع ضد ثورة يناير والمسار الديمقراطي ونفذت أكبر مذابح جماعية في تاريخ مصر بحق الإخوان على وجه التحديد ومن نجا منهم من هذه المذابح اعتقل في قضايا سياسية بتهم ملفقة وحكم عليهم بأحكام قاسية رغم أنهم الضحايا. أما الجناة والمليشيات التي أثارت الفوضى وارتكبت المذابح؛ فقد أفلتوا من جميع أشكال المحاكمة والمحاسبة والعقاب، ولا يزالون حتى اليوم يتمتعون بالسلطة والنفوذ بعد أن تحولت مصر منذ 30 يونيو 2013م إلى أكبر غابة كراهية يضرب بها المثل في الفشل والظلم على مستوى العالم.

YouTube

تسريب.. "البدوي": الإخوان هيساعدوني أكون رئيس الجمهورية

 

هذا التسريب رغم أهميته الكبيرة لم يطلب النائب العام ــ ولن يطلب ــ فتح تحقيق في محتواه رغم أنه يفك جميع ألغاز الجرائم التي جرت بعد الإطاحة بمبارك وتكشف بوضوح عما كان يسمى وقتها بالطرف الثالث المتهم بإثارة العنف والفوضى وسفك الدماء، المهم أن الشعب بات على وعي كبير؛ فقد ثبت أن الطرف الثالث هو "مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها الجيش بمخابراته الحربية" التي رأت في ثورة يناير وتكريس نظام ديمقراطي وتداول حقيقي للسلطة تهديدا للنفوذ الذي تحظى به والمزايا التي تتمتع بها دون باقئ فئات الشعب، مقابل حماية المصالح الأمريكية وأهمها "أمن الكيان الصهيوني".

Facebook Comments