يواجه مسلمو إقليم تركستان الشرقية "تشينجيانج" اضطهادا غير مسبوق من جانب السلطات الصينية التى تحتل الإقليم منذ أربعينيات القرن الماضى، وتعمل على محو هويته واستبدال ثقافة شعبه الإسلامية بثقافة الحادية لا دينية وذلك على مرأى ومسمع من العالم كله وفى ظل صمت مخزٍ من الدول الإسلامية.
وتفرض الحكومة الصينية على مسلمي الإيجور، ما يسمى ببرنامج (إعادة التثقيف السياسي) تحت ذريعة محاربة التشدد الديني وتعتقل أكثر من مليون منهم بشكل غير قانوني فى معسكرات قذرة تنتهك فيها كل حقوق الإنسان وآدميته وكرامته وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من خطورة أوضاع الإيجور، ومطالبة السلطات الصينية بوقف سياسة الإضطهاد والاعتقالات غير المبررة ضد المسلمين ودعت لإطلاق سراح المحتجزين في معسكرات تسميها الصين بـ"مكافحة الإرهاب".

وأكدت لجنة معنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة تلقيها الكثير من التقارير الموثوقة تتحدث عن احتجاز نحو مليون فرد من أقلية الإيجور المسلمة في الصين في مراكز لمكافحة التطرف.
وقالت جاي مكدوجال، من لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، إنها تشعر بالقلق إزاء تقارير عن تحول منطقة الإيجور ذات الحكم الذاتي إلى "معسكر اعتقال هائل".
 

غسيل دماغ
ويتعرض الإيجور لمضايقات جماعية وتوقيف متكرر وفحص لمحتويات هواتفهم المحمولة بل وفحص عينات من حمضهم النووي.
كان الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) قد نشر تسريبات حول قيام السلطات الصينية بعمليات "غسيل دماغ" لمئات الآلاف من المسلمين المعتقلين، وكشف التسريب عن إرشادات خاصة من الحزب الشيوعي الصيني، تشرح كيفية التعامل مع حوالي مليون سجين من الإيجور في معتقلات بإقليم شينجيانج.
وتطلق الصين على النزلاء اسم "طلاب"، ولا تسمح لهم بالخروج إلا لظروف قاهرة كالمرض، وتراقب السلطات سلوك المحتجزين عن طريق نظام بالنقاط، يقيّم مدى تحولهم الإيديولوجي، ومدى انضباطهم طوال مدة الاعتقال، وتضع إدارة المعتقل تعليمات صارمة لأجل دفعهم نحو "الطاعة". ما أدى الى وفاة عدد من المعتقلين بسبب سوء الأحوال المعيشية وغياب العلاجات الطبية، فضلًا عن وجود حالات تعذيب واعتداء بالضرب واغتصاب.
هذا التسريب أثار تساؤلات حول أسباب استمرار صمت الدول الإسلامية ازاء هذه الانتهاكات، في وقتٍ حظرت فيه واشنطن إصدار تأشيرات لمسؤولين صينيين لهم صلة بعمليات الاعتقال، وطالبت ألمانيا الأمم المتحدة بإجراء تحقيق أممي، ودعت باريس بكين إلى وقف عمليات الاعتقال الجماعي التسعفية وإغلاق المعسكرات.

37 دولة
وفي الثامن من يوليو 2019، وقعت 22 دولة، منها ألمانيا وفرنسا وسويسرا وبريطانيا واليابان وكندا، رسالة موجهة إلى مجلس حقوق الإنسان، انتقدت فيها الصين على سياساتها ضد الإيجور وطالبتها بوقف عمليات الاحتجاز الجماعي.
فيما أعلنت وزارة التجارة الأمريكية الأسبوع الماضى عن فرض عقوبات على 11 شركة صينية لتورطها في انتهاكات لحقوق الإنسان ضد أقلية مسلمي الإيجور، مانعة هذه الشركات من حق شراء البضائع الأمريكية. واتهمت الوزارة الأمريكية، في بيان لها، الشركات الـ11 بالتورط في انتهاكات لحقوق الإنسان، وتجاوزات في تطبيق حملة الصين للقمع والاعتقال الجماعي التعسفي والعمالة القسرية والجمع الإجباري للبيانات البيومترية والتحاليل الجينية فى المقابل وجهت 37 دولة، رسالة إلى الأمم المتحدة لدعم الصين.

ضد المسلمين
وكان الغريب أن هذه الرسالة حملت توقيع السعودية والجزائر وقطر والإمارات وسوريا وعمان والكويت والسودان والبحرين، فقد دافعت هذه الدول عن الصين وزعمت أنها حققت إنجازات لافتة في مجال حقوق الإنسان، واتخذت إجراءات لمكافحة الإرهاب حسب تعبيرها.
وفى الوقت الذى سحبت قطر لاحقًا توقيعها رغبة منها في الحفاظ على موقف محايد، دافعت السعودية عن موقفها، وقالت إن الرسالة دعمت السياسات التنموية فقط، وزعمت أنه لا يمكن أن تكون أيّ جهة قلقة على وضع المسلمين في العالم أكثر من السعودية.
في حين وجهت الصين شكرها للدول التي دعمتها، ومنها الإمارات، خلال زيارة قام بها ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، لبكين، صرّح فيها أن بلاده تثمن جهود الصين لحماية الأقليات العرقية، وأن الإمارات مستعدة لتوجيه ضربة مشتركة لما أسماه القوى الإرهابية المتطرّفة إلى جانب الصين.

التركستان
يشار إلى أن الإيجور مسلمون تعود أصولهم إلى الشعوب التركية (التركستان)، ويعدون أنفسهم أقرب عرقيا وثقافيا لأمم آسيا الوسطى. ويشكل الإيجور نحو 45 % من سكان شينجيانج، في حين تبلغ نسبة الصينيين من عرقية الهان نحو 40 %.
وفي أوائل القرن العشرين أعلن الإيجور لفترة وجيزة الاستقلال، لكن المنطقة خضعت بالكامل لسيطرة الصين الشيوعية عام 1949. ومنذ ذلك الحين، انتقل عدد كبير من عرقية الهان الصينية إلى الإقليم، ما جعل الإيجور يتخوفون من اندثار ثقافتهم. ويتهم الإيجور السلطات الصينية بممارسة التمييز ضدهم، بينما تزعم الصين إن ميليشيات الإيجور تشن حملة عنف تشمل التآمر للقيام بعمليات تفجير وتخريب وعصيان مدني من أجل إعلان دولة مستقلة.

أعمال وحشية
من جانبه انتقد الكاتب البريطاني نِك كوهين "صمت الدول الإسلامية" على انتهاكات الحكومة الصينية بحق مسلمي الإيجور. وقال كوهين في مقال نشرته صحيفة "أوبزرفر" البريطانية تحت عنوان:" لماذا تلتزم الدول الإسلامية الصمت أمام انتهاكات الصين للإيجور" إن المسلمين الذين حاولوا في السابق إهدار دم روائيين تم تكفيرهم دفاعا عن النبي – صلى الله عليه وسلم- مثل سلمان رشدي عام 1989 بسبب كتابه "آيات شيطانية"يعضون على ألسنتهم الآن في الوقت الذي تتورط فيه الصين في أعمال وحشية لا توصف ضد الإيجور.
ووصف ما يحدث للإيجور بأنه "واحدة من أكبر جرائم القرن الحادي والعشرين ترتكب أمام أعيننا. مشيرا الى ان الحزب الشيوعي الصيني يعمل على إحياء الخوف الشمولي كما كان في حقبة ماو، لتقليل أعداد مسلمي الإيجور الذي يشكلون الأغلبية في شينجيانج. وكشف كوهين عن تقارير تتحدث عن إجبار الحكومة الصينية للمسلمات على تعقيم أنفسهن أو تزويدهن بوسائل منع الحمل، وفي حال اعترضن يتم إرسالهن إلى معسكرات احتجاز تضم مليون مسلم، مؤكدا أن السلطات الصينية تتعمد فصل الأطفال المسلمين عن أسرهم حتى تكون نشأتهم بعيدة عن الدين. وأرجع صمت الدول الإسلامية على هذه الانتهاكات إلى أنها تستخدم فكرة التضامن مع القضايا الدينية عندما يبدو ذلك مناسبا لها.
ولفت كوهين إلى أن الكثير من الدول الإسلامية تستفيد من الاستثمارات الصينية التي تقدر بمليارات الدولارات، ضاربا المثل بإيران التي تستفيد من دعم الصين في مواجهة الولايات المتحدة. وأشار إلى أن عددا من الدول الإسلامية منها باكستان والجزائر والإمارات ساعدت في منع تمرير قرار بالأمم المتحدة يطالب الصين بدخول مفتشين دوليين مستقلين إلى إقليم شينجيانج، لاستطلاع أوضاع المسلمين.
 

فشل سياسي
وأرجع رشيد أوراز، باحث اقتصادي بالمعهد المغربي لتحليل السياسات، مواقف الدول العربية والإسلامية من مسلمى الإيجور الى المشاكل الداخلية التي تعيشها تلك الدول، والشلل الكبير للمنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وقال أوراز في تصريحات صحفية إن الأنظمة الإسلامية تحتاج إلى آليات لضبط مواطنيها، ولذلك تنسق غالبًا مع أنظمة سلطوية عالمية لهذا الغرض، وعلى رأسها الصين. وأكد أنه رغم الأهمية الكبيرة للمعاملات الاقتصادية، إلّا أن التبرير الاقتصادي يُعطى غالبًا لأجل التغطية على الفشل السياسي، مشيرًا إلى الصين ليست قدرًا محتومًا على المنطقة الإسلامية، لأن هناك دولاً أخرى لديها المنتجات نفسها والفرق الوحيد هو الثمن.
وأوضح أوراز إن الاقتصاد الصيني القائم على التصدير، هو من يحتاج أكثر إلى دول المنطقة، لأنها دول استيراد، والاستثناء الوحيد هو إيران التي تحتاج السوق الصيني لأجل تصريف البترول بسبب العقوبات الأمريكية.

حقوق الإنسان
وقال أدريان زينز، خبير ألماني في الملف الصيني، إن حكومات المنطقة الإسلامية في غالبها حكومات أوتوقراطية، وهي نفسها تنتهك حقوق الإنسان، ولا اهتمام لها بالقيم، وإنما ترغب فقط أن تحافظ على نفسها.
وأكد زينز فى تصريحات صحفية أنه من الطبيعى لدول تنتهك حقوق الإنسان وتعتقل الأبرياء وتتورط فى إثارة أزمات ضد شعوبها أن تسارع إلى تأييد الصين حتى لا تدور الدائرة على هذه الدول وتفتضح فيها انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم التى ترتكبها ضد مواطنيها.

Facebook Comments