كشفت مصادر فلسطينية مطلعة عن عودة التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية برام الله مع الجانب الأمريكي، والتي كانت قد توقفت بقرار من رئيس السلطة محمود عباس أبو مازن في 19 مايو 2020م، وذلك احتجاجا على على خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لتصفية القضية الفلسطينية المعروفة إعلاميا بـ "صفقة القرن" وموقفه الداعم للضم الصهيوني.

تأتي هذه التطورات وسط شكوك حول وقف التنسيق الأمني بين السلطة والأمريكان من الأساس خصوصا فيما يتعلق بما تسمى بالحرب على الإرهاب؛ ذلك أن أجهزة السلطة الأمنية تتلقى مخصصات مالية من الولايات المتحدة الأميركية بما يختص بمكافحة الإرهاب. ورغم قيام واشنطن بقطع جميع المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية بما فيها المساعدات الصحية المخصصة للمستشفيات الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، إلا أن الأموال المخصصة لاتفاق مكافحة الإرهاب بقيت تتدفق كالمعتاد، حسب المسئول الفلسطيني. وكان عباس قد قال في كلمة متلفزة بثها تلفزيون "فلسطين" الرسمي مساء الاثنين 17 أغسطس 2020م: "مهما حصل سنبقى ملتزمين بمحاربة الإرهاب أيا كان".

ونشر الإعلام الصهيوني في 16 أغسطس 2020م، تصريحات لوزير الحرب بني غانتس، قال فيها إنهم يستعدون في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لاستئناف التنسيق الأمني والمدني مع السلطة الفلسطينية. وحسب الخبير في الشئون الصهيونية، محمد أبو علان، فقد أصدر غانتس تعليمات للمؤسسة العسكرية لفحص إمكانية استئناف العلاقات والعمل المشترك أمام الجهات المدنية والمؤسسة الأمنية الفلسطينية.

تهديدات عباس
وتبخرت تهديدات عباس بوقف العمل بالاتفاقيات والتنسيق الأمني في اليوم التالي مباشرة لإعلانه وقف التنسيق الاحتلال والأمريكان يوم 19 مايو 2020م؛ إذا تطوع مساعدوه السياسيون والأمنيون لتهدئة الرأي العام الإسرائيلي وحكومة الاحتلال بالتأكيد للصحافة الصهيونية على أن تصريحات عباس تهدف إلى ممارسة ضغط على الحكومتين، الصهيونية والأميركية، للعدول عن قرار ضم الأغوار ومناطق في الضفة الغربية، المتوقع إطلاق إجراءاته في يوليو المقبل. كما أراد أيضا دفع أطراف دولية أخرى، وتحديداً الاتحاد الأوروبي، إلى أخذ مواقف أشدّ حزماً من مجرّد التعبير عن الرفض والاستنكار، في محاولة لثني الكيان الصهيوني عن اتخاذ خطوات أحادية في الضفة الغربية. ونقل تقرير لصحيفة جيروزاليم بوست الصهيونية، في اليوم التالي لتصريحات عباس، عن مسئولين فلسطينيين هذا التفسير، وقالوا إن عباس لم يقصد الوصول إلى إلغاء الاتفاقات والتفاهمات القائمة. والأدهى تصريح مسئول أمني فلسطيني، وصفته الصحيفة بـ"البارز"، يؤكد أنه ليس على علم بأي تعليمات من القيادة الفلسطينية لوقف التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني.

الأكثرة خطورة أن مسار أوسلو صمم المنظومة الأمنية والسياسية والاقتصادية للسلطة بحيث تبقى دائما تحت رحمة الاحتلال والإدارة الأمريكية وما يسمى بالمجتمع الدولي؛ فالسلطة فعليا غير قادرة على البقاء والاستمرار دون رعاية وكفالة من الاحتلال والإدارة الأمريكية؛ فهي لا تستطيع تحقيق أي اكتفاء ذاتي من جهة التمويل والغذاء والماء والكهرباء ولا حتى الحصول على المساعدات الدولية دون موافقة من حكومة الاحتلال، بل إن قيادت السلطة أنفسهم لا يملكون حرية الحركة داخل مناطق الضفة الغربية دون موافقة من أجهزة الاحتلال الأمنية.

وعبر سنوات طويلة مضت تمكن الاحتلال من تكوين شبكة أو مافيا حاكمة ترتبط وجودا وعدما بالاحتلال تستمد منه القوة والنفوذ والسيطرة. وحتى لو أراد أبو مازن الخروج على هذه القواعد التي شارك في تكريسها فسوف يجد من داخل السلطة وأجهزتها الأمنية من يتمردون عليه إمعانا في خدمة أجندة الاحتلال، كما فعل هو من قبل مع ياسر عرفات؛ حيث بات ولاء كثير من هذه الطبقة الحاكمة أولا وأخيرا للاحتلال وليس للسلطة ولا حركة فتح فضلا عن قضية فلسطين التي تعد بالنسبة لهؤلاء مجرد بيزنس يحققون من ورائه ثروات طائلة.

بدأ التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني كأحد مخرجات اتفاق أوسلو الذي جرى توقيعه بين الطرفين في 13 من سبتمبر1993، الذي نص على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بالكيان الصهيوني (على 78% من أراضي فلسطين، أي كل فلسطين ما عدا الضفة الغربية وغزة). ومع مرور السنوات تآكلت بنود اتفاق أوسلو وفرغته حكومات الاحتلال المتعاقبة بانتهاكاتها المتواصلة من أي مضمون؛ ولم يتبق منه شيء سوى ملف التنسيق الأمني، وهو الملف الذي يمثل ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها السلطة ويمكن بها إيذاء الاحتلال والإضرار به بشكل كبير، إلا أنها ما زالت تخشى استخدامها بزعم أنها "مصلحة وطنية فلسطينية"، برغم جميع الانتهاكات الصهيونية المتواصلة، وتقويض تل أبيب لأي شكل للدولة الفلسطينية التي تحلم السلطة ببنائها على الأراضي التي تم الاتفاق عليها خلال أوسلو.

التنسيق الأمني

الدور الأخطر في ملف التنسيق الأمني هو ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب انتفاضة الأقصى (2000 ــ 2005)، حيث اتجهت إلى التلاعب بالعقيدة الأمنية لقيادات وعناصر الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية من خلال مأسسة هذه الأجهزة وتغيير عقيدتها، وشكَّلت واشنطن مجلساً لتنسيق التعاون الأمني بين السلطة والكيان الصهيوني، بقيادة الجنرال الأمريكي كيث دايتون، الذي تولى شخصياً مهمة الإشراف على إعداد وتدريب أجهزة السلطة الأمنية لتحسين قدرتها على إحباط العمليات المسلحة للمقاومة.

وإلى جانب مأسسة أجهزة السلطة الأمنية لتكون أكثر ولاء لأفكار وتصورات أبو مازن المتطابقة مع أفكار الاحتلال والأمريكان؛ حرص دايتون على أن تسهم دورات التدريب التي أشرف عليها في فرض عقيدة أمنية جديدة على المؤسسة الأمنية في السلطة، بحيث يفضي تشرُّب منتسبي الأجهزة الأمنية الفلسطينية تلك العقيدة إلى "صناعة الفلسطيني الجديد"، الذي يرى في إحباط العمل المقاوم ضد الاحتلال مصلحة وطنية له. وقد أثنى جيش الاحتلال على دور هذا التحولات على النظام السياسي الفلسطيني وزيادة فعالية التعاون الأمني وإسهامها في تحسين ظروف المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.

Facebook Comments