تعيش عصابة الانقلاب بمصر في أزمة حقيقية، كل هذه التظاهرات في كل هذه القرى والمدن والأحياء مع إصرار عنيد وقوي لمدة ٦ أيام، وشجاعة افتقدها الشارع منذ أعوام، ما يعني أن العد التنازلي قد بدأ بالفعل، وأن الحل الأمني سيجلب مزيدا من الإصرار لدى الناس والحل السياسي سيكسب الناس شجاعة أكتر.

واستدعى قانون "إزالة التعديات" التي بدأت سلطات الانقلاب العمل به ردود فعل غاضبة بين المصريين، وسط دعوات لعودة المشهد إلى تحركات مفتوحة أشبه بما حدث في 2011، لإسقاط السفاح عبد الفتاح السيسي.

دماء الثورة

وعادت الدعوات للتظاهر مجدداً، بعدما كان قد ألهب مشهد التظاهرات الصغيرة التي خرجت في أماكن متفرقة من مصر، ليل 20 سبتمبر 2019، حماسة كثيرين، ليختاروا التاريخ ذاته في العام الجاري بدايةً جديدة لتظاهراتهم، في مشهد ضخ دماء الثورة في عروق الشارع المصري.

وتنكر السفاح السيسي لحراك الشارع المصري، وقال خلال مسرحية افتتاح عدد من المشروعات الوهمية، إنه راهن على وعى المصريين في عدم استجابتهم للدعوات التى تدعو إلى النزول في الشوراع، قائلا: "كسبنا الرهان ومصر هتفضل كده!". وزعم  السفاح السيسي خلال كلمته أن البعض قعدوا “يولوعوا” الدنيا ويستغلوا المواقف الصعبة التي اتخذتها الدولة، في إشارة إلى قانون التصالح في مخالفات البناء الذي زاد من حدة التوتر والغضب تجاه عصابته بعد حملة هدم طالت كثير من بيوت المصريين الذين لم يتقدموا بالتصالح رغم عدم دستورية القانون الذي أكدها العديد من الخبراء القانونيين. وتابع السفاح إن :"الدولة المصرية لم تتأثر بمحاولات البعض خلال السنوات الماضية لتدميرها، بفضل الله وشعبها"، وأوضح :"كم دولة راحت كدة ومصر متأثرتش، عشان ربنا قال مصر لا".

وشهدت القاهرة وعدة محافظات مصرية، عقب صلاة الجمعة الماضية، تظاهرات في قرى وشوارع جانبية بعيدا عن الميادين الكبرى بالمدن، للمشاركة في”جمعة الغضب” ضد السفاح السيسي. وتزامنا مع تصاعد وتيرة التظاهرات المطالبة برحيل السفاح السيسي، كثفت قوات الأمن وجودها في الشوارع والميادين، وسط حملة اعتقالات عشوائية وتفتيش الهواتف النقالة للمارة، وفق شهود عيان.

منظومة فاسدة

من جهته قال الناشط السياسي والمعارض، محمد سعد خير الله، إن ما وصفها بـ"نهاية رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي قد اقتربت، وأن منظومته الحاكمة فسدت تماما وباتت تحتضر، خاصة في ظل اتساع حالة الغضب التي تعمّ ربوع البلاد بالكامل، وتوقف الدعم الخليجي له، فضلا عن أنه فقد رصيده الدولي بالكامل".

وذكر خير الله، أن :"السيسي فقد الرصيد الدولي بالكامل، وأنشطته الخارجية باتت تنحصر في شراء الأسلحة بقروض هائلة تقع على كاهل الأجيال القادمة من المصريين"، منوها إلى أن "السيسي جاء لتخريب وتدمير مصر عن عمد، وأن الجيش قد احتكر الاقتصاد، وسحق المجتمع المدني تماما، وأغلق المجال العام، وقتل السياسة". متابعاً :"ليس هناك الآن معارضة مصرية، فكل مَن له علاقة بالكتابة أو الاستقلال أو الرأي الحر، أو التفرد أو التميز، أو الابتكار هو داخل السجون والمعتقلات المصرية، ومَن هم بالخارج في أحزاب هزلية، كرتونية، ولي تعبير شعبوي لكنه واقعي، وهو: «أحزاب الكسكسي» التي تسمي نفسها أحزابا مدنية، وهم في الحقيقة تحت أحذية العسكر، ويختصرون النضال في الحصول على مقعد أو اثنين في البرلمان، وبالرغم من إيمان بعض الشباب بخطابات زعامات هذه الأحزاب، إلا أن ذلك لم يشفع لهم وتعرضوا للتنكيل والاعتقال عندما قرر هؤلاء الشباب تكوين ائتلافات حقيقية، أما الزعامات فقد ارتضوا التنسيق بطريقة ما مع "محمود السيسي" أو "أحمد شعبان" (مدير مكتب عباس كامل) ليحصلوا على مقاعد في مجلس الشيوخ، وهو ما سيحدث أيضا للحصول على مقاعد في مجلس النواب".

مضيفاً:"لم تعد هناك معارضة في مصر، والحل أصبح "حلا خارجيا"؛ فموضوع أن يكون الحل من داخل مصر والتعويل على المعارضة الداخلية بات أمرا مستبعدا ومستحيلا؛ فالمعارضين الذين يملكون "شرفا نضاليا" صامتون، أما مَن يظهرون على الساحة فهم في خدمة الجنرالات، ولهم حدود معينة في المعارضة، ولا يستطيعون الاقتراب من الخطوط الحمراء التي تتمثل في: الحديث بأن مَن يحكم مصر الآن "عصابة" معدومة الشرف العسكري، ورأس هذه العصابة – عبد الفتاح السيسي – عليه الكثير من علامات الاستفهام باعتبار أنه جاء لتخريب وتدمير مصر عن عمد، وأن الجيش قد احتكر الاقتصاد وسحق المجتمع المدني كاملا".

وختم بالقول:"مَن يتحدث عن هذه الأمور في مصر له مني التحية والتقدير، لكن لن تجده؛ لأن مصيره سيكون السجون والمعتقلات، أما مَن لا يستطيع أن يتحدث بمثل هذا الكلام فليصمت، لأن حديثه سيخدم الدولة المركزية المنحطة، فلم أر أحط من الدولة والنظام المصري الذي تأسس بعد انقلاب 1952، وأظن أنني لن أرى مثله في العصر الحديث أو حتى في التاريخ كله".

غضب متزايد

وفي مواجهة حراك الشارع واحتقانه، لا تخلو جعبة عصابة الانقلاب من أساليب ووسائل لتخفيف حدته، والعمل على وأده في مهده خوفا من تفاقمه واتساع دائرة تأثيره، ومن ثم ارتفاع كلفة معالجته لاحقا، مما قد يفقده جانبا من مكتسباته التي راكمها منذ الانقلاب العسكري.

ومنذ نحو أسبوعين، تستمر مظاهرات معارضة للسفاح السيسي وعصابته في الخروج بعدد من محافظات مصر وقراها، تلبية لدعوة من الممثل والمقاول المصري محمد علي، في تشابه لاحتجاجات 20 سبتمبر من السنة الماضية. وجاءت تلك الدعوة متزامنة مع غضب كبير لدى المصريين جراء المبالغة في غرامات مالية تفرضها سلطة العسكر على المواطنين في صورة رسوم للتصالح في مخالفات البناء لتجنب هدم المنازل، وهو الأمر الذي مثّل سببا رئيسيا في تصاعد الاحتجاجات الشعبية، إلى جانب استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وسريعا، تنقلت عصابة الانقلاب بين أساليب المواجهة التي اعتادتها على مدار سنواته السبع؛ بين إنكار وجود تلك المظاهرات، ثم حملات التخويف عبر انتشار أمني مكثف، مرورا باتهام المشاركين في تلك المظاهرات بأنهم "خونة مأجورون"، ثم اعتقال المئات منهم، وكذلك اللجوء إلى الحشد المضاد سعيا لإرباك المشهد.

ومع ضغط المظاهرات على السفاح السيسي، أعلنت حكومة الانقلاب التراجع عن تلك القرارات بطرق غير مباشرة، سواء عبر تمديد مهلة التصالح، أو تخفيض الغرامات، فضلا عن السماح المشروط بالبناء مرة أخرى، رغم قرار السفاح السيسي وقف أعمال البناء لمدة 6 شهور. وضمن وسائل المواجهة التي لجأ إليها العسكر مؤخرا، مطالبة رجال أعمال ورموز سياسية ومجتمعية مقتدرة ماليا من مؤيديه بالإعلان عن التبرع بسداد رسوم التصالح عن آلاف الأسر الفقيرة، بدعوى "الإيمان بمسئولياتهم المجتمعية، والانطلاق من دورهم الخيري"، في شكل اعتبره مراقبون "ابتزازا" متكررا من قبل العسكر تجاه مؤيدي الانقلاب الميسورين.

ومع توقعه أن تخفف هذه المساهمات من قبل رجال الأعمال بعض الضغوط عن كاهل الفقراء، فإن الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب يستبعد أن تخفف حدة احتقان الشارع المترتب على قانون التصالح، بل ربما أدت إلى العكس. ويبرر ذلك بأن تلك المساهمات لن تغطي إلا نسبة ضئيلة من متضرري رسوم التصالح، في ظل زيادة نسبة الفقر بالبلاد على 35%، لافتا إلى أن ذلك ربما يولد الكثير من الأحقاد، ويعيد للأذهان تصرفات الحزب الوطني في عهد المخلوع الراحل مبارك، بتمييز أسر التابعين والمؤيدين له.

Facebook Comments