أوضحت دراسة نشرها "مركز السياسة العالمي" CENTER FOR GLOBAL POLICY أن هناك مفارقة بين القفزة الكبيرة في تحديث تسليح الجيش المصري وبين ترهل أدائه، على النحو المختبر يوميا في سيناء، حيث لا يزال بضع عشرات من المسلحين يوقعون خسائر شهرية في الجيش العاجز عن قمعهم منذ انقلاب 2013.
وأشارت الدراسة التي جاءت تحت عنوان "العجز الكامل للقيادة العسكرية في مصر" Egypt’s Military Leadership Deficit، إلى "الآثار المدمرة" لتسييس السيسي للجيش على علاقات العمل القيادي على كافة المستويات. الدراسة التي أعدها Egypt Defense Review وهو اسم مستعار لمحلل دفاع أمني مصري يقدم وجهات نظر نقدية حول قضايا الأمن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قالت إنه حين جري تعيين عبد الفتاح السيسي في منصب وزير الدفاع عام 2012 بدأ ان هذا مؤشرا على تحديث الجيش المصري.
وأنه في حديثه إلى الضباط خلال مؤتمرات القيادة الروتينية، تحسر السيسي في عدة مناسبات على الطريقة التي سمح بها أسلافه للجيش بالركود وشدد على ضرورة تصحيح المسار و"تحديث" القوات المسلحة، لذلك أصبحت مشتريات الأسلحة الجديدة المتنوعة والقوية سمة من سمات صعود السيسي إلى السلطة واستمرت في عامه السادس كرئيس، حيث أصبح الجيش المصري الآن ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم على الرغم من الهشاشة الاقتصادية للبلاد ومستويات الفقر المتزايدة.
ومع ذلك، ورغم تركز الجيش علي جهود التحديث وإعادة التسلح، فإنه لا يزال متطابقًا هيكليًا وتنظيميًا مع النسخة السابقة الفاشلة في التحديث في عهد وزير الدفاع السابق محمد حسين طنطاوي، بحسب الدراسة. وبدلاً من ذلك، أدت حماية الضباط المصريين (الجنرالات) الثابتة للوضع الراهن ومقاومة الإصلاح في صفوفهم باستمرار إلى تقويض الأداء العسكري وعرقلة قدرة الجيش على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين بكفاءة.
التسييس والركود المهني
بحسب الدراسة، شهد الجيش المصري عقودا من التسييس والركود المهني، وادي هذا لتفوق واحلال القوة العسكرية لجيران مصر البارزين في الشرق الأوسط، وجيرانها الخليجيين محل قوة الجيش المصري، وتزامن هذا بشكل غير مفاجئ مع تراجع أهمية مصر الإقليمية.
وبرغم أن مصر اليوم يمكن القول إنها أفضل تسليحًا مما كانت عليه في أي وقت مضى، ويرجع الفضل جزئيًا في ذلك إلى أكثر من 40 عامًا من المساعدات العسكرية الأمريكية، إلا أن التدهور الهيكلي والتنظيمي، المتمثل في النقص الحاد في القيادة وتطوير قدرات الضباط جعل الجيش يعاني من تحديات أمنية على غرار التمرد العنيف في شبه جزيرة سيناء من قبل فرع تنظيم الدولة الإسلامية.
وتؤكد الدراسة أنه على الرغم من الاستثمارات الدفاعية النقدية والمادية الكبيرة التي تقدمها الولايات المتحدة وحلفاء أجانب آخرون، لمعالجة هذه المشكلة المتزايدة، لا يزال الجيش المصري شريكًا عاجزًا وغير موثوق به بشكل متزايد في ضمان الاستقرار بمصر.
وأوضحت أنه "يجب على شركاء الجيش المصري أن ينظروا إلى ما هو أبعد من المشاركة السطحية ومقايضة المصالح مع القيادة العليا وإعطاء الأولوية لمبيعات الأسلحة نحو نهج عملي أكثر شمولاً بما يؤكد على ضرورة الإصلاح والاحتراف وتطوير أداء الضباط والجيش بشكل عام.
عيوب الضباط
أصبح الانضمام إلى الجيش هو أحد السبل المضمونة الوحيدة للضباط لضمان حياة أكثر نفوذا وللحراك الاجتماعي والارتقاء بالمكانة في مصر؛ في بلد تعاني من تدني أجور القطاع العام، والركود في الوظائف في القطاع الخاص، عكس الاستقرار الوظيفي والأمن النسبي الذي توفره المهنة العسكرية وفوائدها الإضافية للضباط بما يجعلها جاذبة للمصريين.
لذلك يتنافس عشرات الآلاف من الشباب المصري بشدة كل عام على عدة مئات من الأماكن داخل الأكاديميات والكليات العسكرية المختلفة تطلعا منهم لتأمين حياتهم المالية والوظيفية.
وارتبط هذا بمعايير أكاديمية ومالية والولاء السياسي للأكاديميات العسكرية المصرية لالتحاق الضباط بها (محسوبية ورشاوي للانضمام لها) مثل التأكيد على انه ليس لديهم أي تاريخ من النشاط السياسي، ومن عائلة "محترمة" ليست فقيرة أو من الأقليات الدينية والعرقية، حيث يختار الجيش المصري المجندين الشباب "عن قصد دون خبرة كبيرة في الحياة".
وتؤدي هذه المتطلبات إلى مجموعة من المتقدمين الذين يسهل ان يكونوا منقادين للقيادة العسكرية العليا وأكثر طواعية للحياة العسكرية بشكل عام ويتقبلون بشكل خاص روح المحارب الفريدة التي تمزج بين الروايات الدينية القومية المتطرفة والأصولية (نوع من التدين قائم لصالح الدولة) لضمان الولاء للمؤسسة، ومن ثم اعتبار هؤلاء الضباط العسكريين هم أوصياء الأمة وسادتها، وليسوا محترفين وموظفين عموميين غير مهتمين بالشؤون المدنية أو الحكم.
لذلك تقول الدراسة أن هؤلاء الضباط يتخرجون الان بلا خبرة فنية حيث يركز النظام العسكري علي الولاء والمحسوبية لا الجدارة والكفاءة الفنية، وهو عيب خطير في النظام له تداعيات خطيرة على سلسلة القيادة، وروح العمل الجماعي والاحتياجات التشغيلية.
وتوضح أن التعيينات والترقيات في الجيش تعتمد في الغالب على الأقدمية والمناصب داخل التسلسل الهرمي للمحسوبية بدلاً من الجدارة، وهو مرض ينتج عنه غالبًا ضباط من الدرجة الثانية ينفذون الأوامر في مجالات ليس لديهم سوي القليل من الخبرة أو المؤهلات فيها.
وتتمتع طبقة الضباط بمزايا غير متناسبة مع باقي المصريين، الذين عانوا من ارتفاع معدلات الفقر و "شد الحزام" المطلوب لإصلاحات التقشف الأخيرة، حيث يتمتع الضباط بامتيازات باهظة غير متوفرة لبقية المجتمع المصري، بما في ذلك الأجور السخية التي تبدأ بأكثر من ضعف الحد الأدنى الوطني، والرعاية الطبية الخاصة من خلال نظام الظل للرعاية الصحية التابع للجيش، وحزم الدعم الفاخرة للشقق أو السيارات، والتعيينات بعد التقاعد.
ويكون وضعهم المتميز سبيلا للفساد حيث يسعى المدنيون في جميع أنحاء البلاد لكسب تأييد الضباط، كما أنه من أجل حماية الدولة يجي حماية طبقة الضباط من المساءلة في حالات سوء السلوك والإهمال والفساد والإجرام -حتى في حالات جرائم الحرب المحتملة أو القتل، من زملائه الجنود.
تمرد شمال سيناء
كانت الآثار المترتبة على هذه الإخفاقات واضحة بشكل خاص في شمال سيناء، فعلى الرغم من التقديرات التي تشير إلى أن حجم التنظيم المتشدد يقل عن 1000 مقاتل، فقد هددت ولاية سيناء التابعة للدولة الإسلامية الامن المصري وشنت هجمات إرهابية قاتلة ضد الأقليات الدينية في البلاد، وأسقطت طائرة ركاب مدنية (روسية)، واستهدفت حركة مرور قناة السويس، وشنت عدة هجمات، عبر الحدود مع إسرائيل.
وبسبب عدم تمكن الجيش المصري من تفكيك تمرد صغير ومعاناة خسائر كبيرة وثابتة، ابتعد الجيش وضباطه عن إجراء التغييرات والإصلاحات اللازمة للقضاء على نقاط الضعف التكتيكية والعملياتية التي كشفها الصراع. ومع أنه كانت هناك محاولات لتصحيح الوضع، إلا أن هذه الإجراءات كانت سطحية إلى حد كبير، مع التركيز على التحسينات الطفيفة للمعدات وتدريب المجندين بدلاً من معالجة قضايا صلابة القيادة المركزية، وضباط الصف غير المتمكنين، وممارسات التجنيد الإشكالية، وضعف القيادة العامة.
وبينما يؤكد مسئولون من الجيش والحكومة المصرية على النجاح الذي حققته قوات الأمن ضد المسلحين في جميع أنحاء البلاد، يزيد عدد القتلى المرتفع بين القوات والمدنيين في شمال سيناء دون أي محاسبة أو تدقيق حقيقي.
وإلى جانب انكشاف نقاط الضعف العسكرية للقوات المسلحة، كشفت الحرب في شمال سيناء أيضًا عن ميل الجيش لسوء السلوك واستعداده لاستخدام قوة نيران كثيفة في المناطق الحضرية، وإجراءات عقابية، وأشكال من العقاب الجماعي على أراضيه. وثقت التحقيقات التي أجرتها عدة منظمات حقوقية دولية ومحلية عمليات قتل خارج نطاق القضاء، واعتقالات جماعية تعسفية، وحالات اختفاء قسري، واستخدام واسع النطاق للإجراءات العقابية من قبل قوات الأمن ضد المواطنين المصريين أثناء العمليات القتالية على مدار السنوات السبع الماضية.
وفيما ينفى الجيش المصري باستمرار ارتكاب أي مخالفات، وثقت هذه الانتهاكات وسائل الإعلام التابعة للقوات المسلحة وروايات على الإنترنت للأفراد المنتشرين في شبه الجزيرة المضطربة. على الرغم من أن هذه الاتهامات ليست جديدة بشكل خاص، إلا أنها تتحدث عن انهيار في القيادة الأخلاقية، ومهنية الوحدة العسكرية والانضباط، فضلاً عن تجاهل عام للسكان المدنيين المحاصرين في تبادل إطلاق النار بين الجيش والمنظمات المسلحة.
ويبدو أن سوء السلوك لم يتم قبوله فحسب، بل تم الترويج له بنشاط من قبل القيادة المتوسطة والصغيرة كوسيلة للانتقام من المنظمات المسلحة التي تسببت في خسائر عسكرية كبيرة؛ وشمل ذلك تشويه القتلى من المقاتلين والثمثيل بجثثهم، وإساءة معاملة المعتقلين، والمشاركة المباشرة في عمليات القتل خارج نطاق القضاء.
إمكانية التعديل
في حين أن الأمل ضئيل في إحداث تغيير كبير في الهيمنة السياسية للجيش المصري، إلا أن المزيد من الانخراط العملي من جانب الحلفاء الدوليين الذين يسعون إلى التمركز أو التأثير في المؤسسات التعليمية للقوات المسلحة والمشاركة بجدية مع الكوادر المهنية داخل سلك الضباط قد يؤدي إلى نتائج.
فهناك تأكيد على الحاجة إلى المساءلة الداخلية والتدقيق في حالات الفشل وسوء السلوك بالإضافة إلى الإصلاحات التنظيمية العامة، وللعمل من أجل تحقيق هذه الغاية ، قد يتم اشراك شركاء مصر الدوليين من خلال توسيع برامج تدريب الضباط وإنشاء مراكز تدريب مشتركة على المستوى التكتيكي داخل البلاد، وزيادة تكرار التدريبات الجديرة بالاهتمام ، وتعزيز التعليم العسكري المهني الموثوق به للقيادة العليا ، ووضع المزيد من الأفراد المجندين في مدارس تدريب القتال.
https://cgpolicy.org/articles/egypts-military-leadership-deficit/