كشف الدكتور علاء الدين عباس عن كتاب جديد عن الشهيد الدكتور عصام العريان، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، بعنوان "الدكتور عصام العريان.. ذكريات دعوية ومواقف تربوية". وخلُص إلى أن "عصام العريان هو التجسيد الحي لما تصوره حسن البنا في رسائله عن مواصفات الأخ الصادق الذي كان يتمناه ويرجو أن يراه.

واستعرض "عباس" –له رصيدا من المقالات والإصدارات في المكتبة الدعوية الإسلامية- ملخصا لبعض ما جاء بالكتاب، حيث اعتبر أن الدكتور العريان –رحمه الله- عاش حياته جندي دعوة وأنه كان نموذجا حيا لأصحاب الرسالة بعدما أمضي عمره مجاهدا صادقا وصامدا محتسبا، ما بين غايتين؛ إصلاح نفسه بالمجاهدة والتزكية، ودعوة غيره بالقدوة الحسنة والتربية. مضيفا أن أخلاقه كانت توددا وتلطفا لا تجملا فيها ولا تكلفا ولا رياء فيها ولا تزلفا، وعبادته علي السجية، فكان يقبل على صلاته تشوقا ومعاهدة، لا يعانى منها مكابدة ولا تثقله فيها المجاهدة، ومن ذلك لسانه الذي كان يلهج بذكر الله تلذذا ومؤانسة، لا ترديدا رتيبا بلا حضور أو مدارسة.

رجل الإنجاز
ورآه الكاتب من الرجال الذين يؤدون أعظم الإنجاز، في يسر وإيجاز، ولمن عاشره يعلم تواضعه سجية وبسمته رضية، وإذا حدثته كان يقبل عليك بالكلية. وأشار إلى أنه كان مهموما بأحوال أمته ويعمل لدينه وأهله ودولته ووكان واثقا مستبشرا في نصر دعوته.

وأنه في سنوات اعتقاله الطويلة جدا والتي كانت بالنسبة له خلوة للعبادة واعتكافا للمذاكرة، فقرأ الروايات العالمية المشهورة باللغة الإنجليزية مما حسّن اللغة جدا عنده، وكان يعكف على كتاب حكم بن عطاء الله السكندري والذي كان يحب أن يشرحه لإخوانه مع إضافة لمسته للمعاني الإيمانية والصوفية المعتدلة، وكنت أتمني لو سجل له الإخوان هذا التراث النادر القيم.

معرفة عن قرب
واستعرض الدكتور علاء عباس جوانب من العلاقة الشخصية مع الدكتور العريان منذ كانا طالبين في كلية الطب في السبعينيات من القرن الماضي. وكيف كان النموذج متجسدا مبكرا يقول "أراه وهو يمضي في الكلية ومن حوله شباب نضر من الجماعة الإسلامية (كما كانت تسمي وقتها) يحيطون به أينما يمضي إحاطة السوار بالمعصم".
وأضاف "وكنت كلما رأيته في المسجد أو في ساحة قصر العيني هو أو الدكتور حلمي الجزار وقد التف من حولهما الإخوة كنت أتمني التعرف عليهما والتقرب منهما .. وأقول في نفسي إن مثل هؤلاء الشباب التقي المجاهد حري بأن يقدم الإنسان بين يدي نجواهم صدقة".
وتابع "ومن مواقفه المشهودة التي أذكرها له (رحمة الله عليه) تلك الخاطرة المؤثرة بعد صلاة الفجر ونحن نقيم معسكرا للجماعة الإسلامية بالمدينة الجامعية بالقاهرة عام 1979 م وهو يقول إن طريق الدعوة ليس مفروشا بالزهور والرياحين بل هو طريق شاق مفروش بالدماء والأشلاء والأشواك ولكنه طريق يؤدي بنا إلى الجنة، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله هي الجنة".

مؤتمر مشهود

ومما يتضمنه الكتاب، بحسب مؤلفه المؤتمر المشهود الذي عقد في مسجد النور بالعباسية (وكان تحت التأسيس) وكان المسجد مجرد هياكل خرسانية فقط وحوله الرمل والزلط والأسمنت، وكان مؤتمرا حاشدا للتنديد بكامب ديفيد والصلح مع الصهاينة، وحضره الشيخ محمد الغزالي والشيخ حافظ سلامة وغيرهما وكان الدكتور عصام العريان أصغر المتحدثين سنا وكان أشدهم حماسة وتأثيرا، فقد كان يخاطب الشباب باللغة الحماسية التي يتجاوبون معها حول معاني الجهاد والاستشهاد وتحرير المسجد الأقصى.

وعن "معسكر للإخوان المسلمين في الغردقة عام 1983م" كان الدكتور عصام العريان هو المسئول عن المعسكر، وقد حدث مني ومن بعض الإخوة مخالفة للأوامر تستوجب العقوبة، فقال لنا سوف أحيل كل أخ لمسئول المبنى الذي هو فيه ليقرر عقوبته بنفسه، وكان مسئول المبنى الذي أنا فيه هو الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح فك الله أسره، فاستبشرت خيرا لأن لي مع الدكتور عبد المنعم ودّا وقربى وعشم، فقلت سوف تكون العقوبة هينة، ولكنه قام بتعنيفنا والتشديد علينا وقام بتعزيري بالدوران حول تراك الملعب خمس دورات هرولة، ولو توقفت فسوف أعيد الدوران مرة أخرى.
وأضاف "وكأنما أستشعر الدكتور عصام العريان بأن العقوبة مغلظة وأنه كان سببا ولو بدون قصد في توقيعها عليّ.. فما إن بدأت في الجري إلا ووجدته إلي جواري يشد من أزري ويحمسني ويقول لي هيا يا بطل .. سوف نجري معا، وعندما حاولت إثنائه عن ذلك قال الطريق الصعب يهون بالمشاركة ونحن سويا نقصر المسافات ويشجع بعضنا بعضا، وكأنه أراد إضافة درس تربوي جديد في القيادة الأبوية والعلاقة الأخوية.

مواقف تربوية متجددة
واستعرض الدكتور علاء عباس ما حدث معه وهو مدير لمستشفي الجمعية الطبية الإسلامية بحلوان (مستشفى الهدي الإسلامي) من موقف تربوي رائع مع الدكتور عصام العريان يبين سعة أفقه وفهمه لدعوته وحسن إدارته، فيوضح أنه كان عندنا طبيب تحاليل طبية كان من الإخوان أصحاب الحظوة والمكانة وكان على علاقات وطيدة بقيادات نافذة ومعروفة بالجماعة، وكان من عادته التلويح بمثل هذه المكانة للآخرين وللأسف لم يكن منتظما في تواجده بالمختبر ويلقي بعبء الأعمال على الفنيين مكتفيا بمرور الكرام والتوقيع فقط على نتائج التحاليل، وكنت أعلم أن الفنيين أكفاء وعلى خبرات عالية ويعتمد عليهم فعلا .. ولكن لم يروقني هذا التصرف المخالف للأمانة الطبية والعلمية ولم أحب أن يقوم الفنيون بالجهد والبذل ثم يقبضون النذر اليسير من الرواتب بينما الطبيب يجني مبالغ مضاعفة لأن نظام الجمعية يجعل للطبيب المسئول نسبة من دخل المختبرات".

وبعد استعراض الموقف شاملا وتطوره حتى شكى وتمت احالة الشكوى إلى إدارة المعامل المشكلة من أطباء أعلام كل واحد منهم أمة في مجاله وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور أسامة رسلان الأستاذ بطب عين شمس وهو ابن بلد جدع من ذلك النوع الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، والأستاذ الدكتور عصام عبد المحسن عميد طب الأزهر فيما بعد والدكتور هشام عزت أستاذ علم الميكروبات بطب قصر العيني وطبعا كان علي رأسهم الدكتور عصام العريان بصفته طبيب تحاليل أيضا.
ولفت إلى أنه لدى ذهابه للجنة المعامل أحمل ملف الطبيب المذكور متضمنا كل المخالفات التي كنت أعاني منها وقلت لهم إنه ليس بيني وبين الطبيب خلاف شخصي بل على العكس على المستوى الشخصي أنا أقدره جدا كأخ فاضل يحفظ القرآن ويبذل جهدا في الدعوة وله السبق في الأعمال الإخوانية، ولكنه من ناحية الانضباط والالتزام بقواعد العمل فهو يخالف ويتفلت منها". وأشار إلى أن الموقف الذي لا ينساه للدكتور الفاضل عصام العريان يوضح حيدته ونزاهته وانتصافه للحق فقال لي أنت مدير المستشفي المسئول والعبرة لا بد أن تكون بأداء الأطباء وكفاءتهم وخبراتهم والتزامهم وأمانتهم وليس توجهاتهم الفكرية أو انتماءاتهم التنظيمية، وقال تعبير دارج (إحنا معندناش خيار وفاقوس) ولا أقول لك لا تناصر أو تتحيز لأطباء الإخوان أو ميزهم عن غيرهم فقط .. بل أقول لو وجدت عندك مكانا شاغرا ويحتاج لطبيب على كفاءة معينة وخبرة ثم لم تجد ذلك إلا في طبيب مسيحي عيّنه فورا حتى لو كنا اسمنا الجمعية الطبية الإسلامية".

وأضاف "كلمات الدكتور عصام العريان المنصفة هي الفيصل في القضية، خاصة وقد وافقه عليها كل أعضاء اللجنة بالإجماع.. وأزعم أن هذه هي أفكار ومنهج جماعة الإخوان المسلمين الأصيلة و الحقيقة بلا مزايدة ولا مبالغة".

في نادي حلوان
وذكر علاء عباس أنهم دعوا في مرة الدكتور العريان لإلقاء محاضرة بنادي حلوان العام عام 1988م، بصفته عضوا بنقابة الأطباء وعضوا بمجلس الشعب عن خطورة المخدرات والإدمان علي الشباب. وجاء الدكتور عصام العريان حسب اتفاقنا قرب المغرب وقد جهزنا مكانا في ساحة النادي وأعددنا المنصة والكراسي، وقال قبل أن نبدأ الندوة نصلي المغرب إن شاء الله.
وأضاف "الكراسي كانت خاوية والندوة لم يحضر لها أحد تقريبا، وبعد الصلاة توجهنا للندوة ونحن نعتذر للدكتور عصام العريان عن هذا الموقف المحرج، وأننا لم نتوقع إحجام أعضاء النادي عن الحضور.. ولكنه ضحك كعادته وقال حتى لو جلس يستمع لنا ثلاثة فقط إن شاء الله نلتم الأجر ويكفي أن رأينا وجوهكم الطيبة".

وأضاف "صعد العريان المنصة وبدأ يتحدث عن مشكلة المخدرات وكان حديثه خفيفا لطيفا فيه من النوادر والقفشات عن أحوال المدمنين والسكارى، ورويدا رويدا بدأت جموع من الشباب تتوافد وبعض الأسر من هنا وهناك، ولم تمض علي كلمته ربع ساعة إلا وقد احتشد أعضاء النادي وملأوا الكراسي ونحن في سعادة غامرة، لدرجة ذهبنا لجلب المزيد من المقاعد بعد أن شغلت الخمسمائة مقعد التي كنا جهزناها، وبعد الندوة التف الأعضاء من حوله يشكرونه على هذا العرض الطيب بل وطالبوه بتكرار الحضور للنادي مرات ومرات".

القارئ الموسوعي
وسرد الدكتور عباس كشف كان الدكتور عصام العريان مثقفا وقارئا موسوعيا وحريصا على طلب العلم، وأنه بعد حصوله على بكالوريوس الطب والجراحة في قصر العيني قام بتسجيل ماجستير في التحاليل الطبية ثم سجل للدكتوراه إلا أن ظروف اعتقاله المتكرر لسنوات قد حال بينه وبين إتمام الرسالة.

وعندما نجح في انتخابات مجلس الشعب عام 1987م ليكون أصغر عضو برلمان وعمره 32 عاما قرر الالتحاق بكلية حقوق القاهرة لدراسة القانون دراسة أكاديمية وحصل على ليسانس الحقوق بتقدير جيد جدا، ثم التحق بكلية الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر وحصل على الليسانس أيضا، وعندما ذهب أهله لمعرفة النتيجة لم يجدوا اسمه في كشوف الناجحين ولا في كشوف الراسبين، ولما سألوا في الكلية علموا أن الناجحين كلهم في الكشف ما بين المقبول وجيد فقط ولا يوجد أحد حصل على جيد جدا فليس لهم كشف، ولكن عصام العريان هو الوحيد في الكلية الذي حصل علي تقدير امتياز، فتم عمل كشف منفرد له وحده بذلك التقدير.

في النيابة
وأشار إلى انه حضر مع الدكتور العريان ذات مرة تحقيقا في نيابة أمن الدولة، وكان بحجرة التحقيق عدد كبير من المحامين وكل أدلى بدلوه في الدفوع والطلبات، ولما جاء دور الدكتور عصام تحدث كحجة قانونية وأبهر المحققين والمحامين على السواء بسعة اطلاعه ورسوخ قدمه في مواد القانون وطبيعة الإجراءات، إضافة لكل ذلك حصل الدكتور عصام العريان أيضا على ليسانس في الآداب في جامعة القاهرة قسم تاريخ، وحصل أيضا على إجازة في القراءات فقد كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ولطالما كان يختمه استظهارا في بضعة أيام.

Facebook Comments