لم يرث المصريون عن الحكم الفاطمي ألعاب العيد وفانوس رمضان والموالد فحسب؛ بل يبدو أنهم قد ورثوا كذلك "البراطيل" رشوة بيع المناصب والولايات التي اشتهر بها الفاطميون، وأبرزهم كان الوزير طلائع بن رزيك الذي جعل لكل ولاية سعرا محددا.
في عصر المماليك رثى المؤرخ بن توغري بيردي في كتاب النجوم الزاهرة أحوال البلاد تحت سطوة المال السياسي، فيقول صار لا يترقى في الدولة إلا من يبذل المال ولو كان من أوباش السوق.

وفي مصر لا تختلف صناديق الاقتراع عن صناديق القمامة، حيث لا تكون لأصوات الناخبين أي قيمة في موسم الانتخابات، وكشف الدبلوماسي السابق محمد مرسي أن بورصة الانضمام للقوائم الحزبية الكبيرة أو الترشح لتمثيل حزب كبير للمنافسة على المقاعد الفردية تجاوزت 6 ملايين جنيه يدفعها المرشح الراغب في عضوية مجلس النواب غير الموقر.
ولم يكن الشعب المصري بحاجة إلى تسريبات عبد الرحيم علي صاحب الصندوق الأسود حتى يعلم أن من ينوب عنه تحت قبة البرلمان هو من تختاره السلطة العسكرية لا من يختاره الشعب، وأن حزب مستقبل وطن البديل العصري عن الحزب الوطني يدخل تحت عباءته من يدفع أكثر.. لكن المصري البسيط الذي لا يدري شيئا عن مرشحيه يغرق في ديونه وفقره ويرى أن الحصول على كوبون شراء أو مبلغ من المال أفضل عنده من كل مقاعد البرلمان.

وكشفت المشاهد التي رصدتها عدسات المتابعين والمواطنين كثيرا من فضائح هذه الانتخابات وكيف يتم تزوير إرادة الناخبين أو شراء أصوات البعض الآخر. وكعادة كل الانتخابات بعد الانقلاب العسكري يكون الحشد الأساسي للناخبين من كبار السن بالإضافة إلى الحشد الكبير من جانب المؤسسات التابعة للدولة مثل شركة المياه كما حدث من شركية المياه في الإسكندرية التي حشدت جميع المواطنين للتصويت في الانتخابات.
واعترف رئيس ما يسمى مجلس الشيوخ الذي عينه عبدالفتاح السيسي، المستشار عبدالوهاب عبد الرزاق أن الإقبال على التصويت في الانتخابات لم يكن جيدا ودعا الناخبين إلى النزول للإدلاء بأصواتهم.

وقال طارق مرسي عضو برلمان الثورة، إن هناك فرقا شاسعا بين انتخابات برلمان 2012 وانتخابات برلمان العسكر في 2020، مضيفا أن انتخابات 2012 كانت ديمقراطية نزيهة حيث امتدت طوابير الناخبين لمسافات طويلة طوال أيام الانتخابات منذ الصباح الباكر.
وأضاف في حواره مع برنامج وسط البلد على قناة "وطن"، أن الوضع في مصر الآن مؤسف بعد ان أصبح شراء الأصوات وتزوير إرادة الناخبين على مرأى ومسمع من الجميع، مضيفا أن برلمان السيسي لا يمثل الشعب المصري لانه جاء عقب انقلاب عسكري على ظهر الدبابة.

وأوضح أن من يحدث الآن من استغلال حاجة الناس لإجبارهم على التصويت في الانتخابات مسرحية مبكية، مضيفا أن كل الأحزاب الموجودة على الساحة المصرية أحزاب كرتونية موالية لعبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب ومن يدفع أكثر يمكنه الترشح على قوائم هذه الأحزاب. مشيرا إلى أن هناك 4 شروط يجب على النائب في برلمان السيسي التمتع بها وهي تقديم أعلى سعر لكرسي البرلمان والولاء التام للسيسي وعصابة العسكر، وعندما يذكر اسم القوات المسلحة داخل البرلمان يقف احتراما وتبجيلا، وأن يكون لديه القدرة على التصفيق بحرارة والموافقة على جميع القوانين التي تعرض عليه دون نقاش أو جدال.

بدوره قال عزت النمر، المحلل السياسي، إن المقارنة بين برلمان 2012 وبرلمان 2020 بعيد تماما، مضيفا أنه لم يكن أحد يتصور أن يصل غباء الانقلاب إلى هذا الحد. وأضاف النمر في مداخلة هاتفية لبرنامج وسط البلد على قناة "وطن"، أن العديد من أبناء الشعب المصري لا يعرفون أسماء الأحزاب التي أصبحت تتسابق من أجل السلطة دون ان تهتم لأمر المواطن. وأوضح أن الأحزاب ليست ذات قيمة في قراراها أو تصورها لأنه غير مؤثرة في الشارع بشكل أو بآخر.

 

Facebook Comments