يكتسب التحليل الذي كتبه الخبير العبري في الشئون الأمنية والإستراتيجية "يوسي ميلمان" في صحيفة "هآرتس" يوم 18 أكتوبر الماضي  تحت عنوان (إسرائيل تتفكك من الداخل، لكنها لن تُهزم مثل الصليبيين)، قدرا كبيرا من الأهمية؛ ذلك أنه يناقش بصوت مرتفع المخاوف التي تنتاب قطاعا كبيرا من الساسة ورجال الدين والخبراء والمحللين في "إسرائيل" من أن تكون  نهاية  المشروع الصهيوني مشابهة لنهاية المشروع الصليبي الذي تمكن من احتلال فلسطين ومناطق واسعة من بلاد الشام وقضوا قرنا في حروب دموية لتثبيت أركان هذه الممالك الصليبية وسط محيط من الشعوب العربية والإسلامية،  لكن الهزيمة المدوية في معركة "حطين" أمام القائد والسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي وحد المسملين تحت راية الجهاد في سبيل الله وتحرير المقدسات والأراضي الإسلامية،  أفضت إلى نهاية هذا المشروع الاستيطاني وخروج الصليبيين غير مأسوف عليهم إلى البلاد التي جاءوا منها.

ومن أسباب أهمية هذا التحليل أن "ميلمان" يعد واحدا من أشهر المحللين في "إسرائيل" وهو خبير أمني بارز تربطه علاقات وثيقة الصلة بالأجهزة الأمنية في الكيان الصهيوني؛ وفي بداية تحليله يستبعد الكاتب أن تكون نهاية "إسرائيل" كنهاية "الممالك الصليبية" في معركة كبرى كمعركة "حطين". فالكاتب يدرك أن التراث الإسلامي يتحدث عن معركة فاصلة بين المسلمين واليهود ستكون فيها الهزيمة المدوية لليهود كما ورد في سورة "الإسراء" وفي الحديث الصحيح "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود؛ فيقتلهم المسلمون؛ حتى يختبيئ اليهود من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم .. يا عبدالله .. هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود".

ورغم أن الكاتب يستبعد هذه النهاية إلا أنه يشير إلى وجود صهاينة أمنوا بهذه النهاية الحتمية لإسرائيل، من بينهم الشاعرة داليا رابيكوفيتش، والتي كتبت في 1966 قصيدة بعنوان "حطين". وكان ختامها يقول: "لم تكن لديهم مملكة بعد/ لم تكن لديهم حياة أو قدس/ كم كان الصليبيون متوحشين وساذجين/ لقد نهبوا كل شيء".

ويقر الكاتب العبري أن "المقارنة مغرية؛  فالصليبيون كانوا غزاة من أوروبا، مفعمين بالأيديولوجيا والإيمان الديني، واحتلوا البلاد (فلسطين) بقوة السلاح، وأقاموا ممالك مسلحة، ومثلوا ثقافة غربية في قلب الشرق الإسلامي، وحاولوا، لكنهم وجدوا صعوبة في الاندماج في محيطهم، وأنهكوا مرة تلو الأخرى في معارك، وضعفوا في أعقاب انقسامات وصراعات داخلية، إلى حد أن خارت قواهم وانتهى حكمهم". ورغم اعترافه بوجود أوجه شبه بين الحالتين، إلا أنه يرفض المقارنة، مشيرا إلى أن المشروع الصليبي لم تكن له "رؤية قومية"، مثل تلك التي "نمت على أساسها الحركة الصهيونية".  ويتحدث هنا عن ما سمّاها "العلاقة التاريخية الواضحة للشعب اليهودي بأرض إسرائيل والقدس"، متجاهلا بالطبع أن للصليبيين مزاعم أيضا حول علاقة دينية بفلسطين، باعتبارها مهد المسيح.

ولتبرير استبعاده نهاية المشروع الصهيوني كما جرى مع المشروع الصليبي،  يعزو أسباب ذلك إلى ما تتمتع به "إسرائيل" من قوة عسكرية (إسرائيل دولة قوية، متقدمة اقتصاديا وتكنولوجيّا. وهي أيضا الدولة العظمى العسكرية الأقوى في المنطقة الممتدة من شرق المتوسط وحتى المحيط الهندي)، لكنه يتجاهل أن هذه العوامل متغيرة والتطورات الكبيرة في تصنيع السلاح ربما تتيح لأعداء "إسرائيل" تحقيق شيء من توازن الرعب من خلال الصواريخ الدقيقية والطائرات المسيرة، وهي نوعيات حديثة من السلاح تمكنت من تغيير معادلة القوى في بعض الصراع القائمة بالفعل كما جرى مؤخرا في ليبيا.

كما يتحجج  "ميلمان" باستبعاد نهاية المشروع الصهيوني يعملية التسليم من جانب العرب بإسرائيل والاعتراف بها،   معتبرا أنها "عملية بطيئة حقا، لكنها مستمرة". وأن ذلك "تسليم ليس فقط بحكم الأمر الواقع، بل أيضا بحكم القانون، عن طريق اتفاقات سلام مع أربع دول عربية، وأيضا عدد من الدول التي يتوقع أن تسير في أعقابها". وينتهي إلى نتيجة مترددة بالقول: "يمكن الافتراض بمعقولية عالية أن إسرائيل لن تُهزم في ساحة الحرب"، و"لا يوجد أي تهديد خارجي حقيقي عليها".

 

التفكك الداخلي

ورغم استبعاده  التهديدات الخارجية على مستقبل "المشروع الصهيوني" يبدي الكاتب العبري خوفا كبيرا من التهديدات الداخلية؛ حيث يعترف بأن المجتمع الإسرائيلي يشهد حالة متسارعة من التفكك وهو ما يمثل خطرا وجوديا يهدد "الصهيونية كحركة قومية لمعظم الشعب اليهودي".

يقول الكاتب: (إسرائيل تتفكك كدولة وكمجتمع. الشروخ، الانقسام، الكراهية، الاشمئزاز المتزايد من قيم ليبرالية، والانقسامات السياسية وغيرها؛ بين اليمين وبين الوسط – يسار، بين العلمانيين والمتدينين، بين الشرقيين والأشكناز، كل ذلك يهدد النسيج الدقيق للوجود هنا. لذلك، يجب أن نضيف الاحتلال والقمع للشعب الفلسطيني، وتداعياته الخطيرة على الديمقراطية والمجتمع. هذه الظواهر لم تبدأ في سنوات حكم بنيامين نتنياهو، لكن في عهده تم تسريعها، بدرجة غير قليلة بمبادرته المتعمدة).

ثم يختم مقاله بعبارة تمثل صرخة من الأعماق على مستقبل مشروعه الصهيوني قائلا: (معظم سنوات وجودها؛ كانت للشعب في إسرائيل روح مشتركة، تبنتها الأغلبية وتكتلت حولها: إقامة الدولة، الاستيطان، الأمن، قيم الديمقراطية، الأخلاق والإيمان بعدالة الطريق. من أجلها كان الناس على استعداد للنضال، حتى لو كان يجب عليهم التضحية بحياتهم. تقريبا النسيج المشترك الذي وحّد الدولة آخذ في التآكل. عدد متزايد من الإسرائيليين؛ كبار وصغار على حد سواء، يعبّرون عن الخوف والذعر على وجودها. هذا ليس حنينا مصحوبا بالشفقة على الذات، على غرار قصيدة إريك آينشتاين بعنوان "يا وطني، إلى أين أنت ذاهب". هذا قلق أصيل وحقيقي، صرخة تنطلق من القلب).

وبحسب الكاتب ياسر الزعاترة فإن الكاتب استبعد التهديد الخارجي وهزيمة المشروع الصهيوني كما جرى من قبل مع المشروع الصليبي حتى لا يبث مزيدا من اليأس بين  مواطني "إسرائيل" لا سيما حين تحدث عن قوة الكيان العسكرية، متجاهلا أن مناعته الداخلية هي الأهم في السياق، ليس فقط لأن المقاومة قد تأتي من الداخل (حرب عصابات ومقاومة)، على نحو يفقد القوة العسكرية والتكنولوجية قدرتها على الحسم، بل أيضا لأن ميزان القوى ذاته يتغير، من خلال الصواريخ الدقيقة، ومن خلال الطائرات المسيّرة، وسوى ذلك مما سيظهر لاحقا في ظل سباق التسلح الراهن. أما الأهم، فيتمثل في أن القوة العسكرية لا تكفي حين يحملها شعب مفكك ومهزوم من الداخل، وما جرى في حرب تموز 2006، وفي الحروب الثلاث الأخيرة مع المقاومة في قطاع غزة، يؤكد أن الجندي الصهيوني كان مهزوما وضعيفا، يتلطى وراء التكنولوجيا وثقل الحديد، ويختلف كثيرا عن الجندي القديم، كما أن مناعة المجتمع ذاته كانت أضعف بكثير.

ويعتبر الزعاترة مقال الكاتب العبري نوعان الهروب إلى الأمام وفرار من الحقيقة سواءً انتهت القصة بـ"حطين" أخرى، أم بسيناريو من نوع آخر، مشيرا إلى أنه في نهاية الثمانينيات، نشر المؤرخ السوري الراحل شاكر مصطفى بحثا في مجلة "شؤون عربية"، بعنوان "من الغزو الصليبي إلى الغزو الصهيوني وبالعكس"، وتحدث فيه عن كتاب عثر عليه يتحدث عن الاهتمام الصهيوني الرهيب بأوجه الشبه بين "حطين"، وبين معركة نهاية الكيان، وكيف يمكن تجنبها.

في هذا البحث يقول مصطفى نقلا عن كتاب بعنوان "الإسلام والصليبيات" لكاتب صهيوني اسمه "عمانويل سيفان".. قال إن "ثمة فرق عمل كاملة في الجامعة العبرية تتخصص في هذا الموضوع، وكل ذلك من أجل قراءة المشهد بدقة متناهية، ولتجنب نهاية كنهاية حطين". تبقى الإشارة إلى أن حديث "ميلمان" عن البعد الدولي والقانون، يتجاهل أن العالم يتغير، وأن الوضع الدولي الذي منح التفوق والحماية للكيان، آخذ في التغير أيضا، مستشهدا بالآية القرآنية "وتلك الأيام نداولها بين الناس".

Facebook Comments