شيئا فشيئًا تتضح الصورة القاتمة التي يعيشها الانقلابيون بمصر جراء تغير السياسات الأمريكية وانتهاء حقبة الرئيس الأسبق دونالد ترامب راعي الأنظمة الديكتاتورية، وباتَ واضحًا أن السفاح عبدالفتاح السيسي يحسب ألف حساب لحقبة ما بعد ترامب، ووصول جو بايدن الى البيت الأبيض.
لم يلبث أن أعلن الإعلام الأمريكي فوز الديمقراطي جو بايدن برئاسة الولايات المتحدة، حتى كانت مصر حاضرة في المشهد، بتصدر السفاح السيسي قائمة المهنئين العرب، ومناشدة معارضتها بحلحلة الأوضاع التي طال انتظار إصلاحها.

نسخة هادئة
العصابة العسكرية التي طوت صفحة حليفها السابق دونالد ترامب، وسارعت بتهنئة المالك الجديد لزمام البيت الأبيض، تُرجح أبواقها الإعلامية عدم تغيير جذري فارق في سياسة واشنطن مع القاهرة.
فيما تتعطش المعارضة إلى تموضع جديد يقوي شوكتها التي ضمرت خلال سنوات حكم السفاح السيسي، وينصب بايدن رئيسا للولايات المتحدة في 20 يناير 2021، مكررا على الأرجح نسخة هادئة في التعاطي مع قضايا الشرق الأوسط، على غرار التي انتهجها أثناء شغله منصب نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وفق مراقبين دوليين.
وكان بايدن حذّر السفاح السيسي في تغريدة بشهر يوليو الماضي، وقال إنه إذا انتُخِب رئيسًا فلن يكون هناك "المزيد من الحرية المطلقة لديكتاتور ترامب المفضل".

واستعدادا للمشاكل التي ستواجه السفاح السيسي بمجرد استلام بايدن الحكم في الولايات المتحدة، كشف موقع "ميدل ايست آي" البريطاني عن مفاجأة في هذا السياق.
وقال الموقع إن عصابة الانقلاب بمصر شكَّلت فريق ضغط قويًا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يضم عضو الكونجرس المتقاعد إد رويس وأحد كبار المساعدين السابقين لزعيمة الأغلبية الديمقراطية بمجلس النواب نانسي بيلوسي.

ووقَّع سفير عصابة الانقلاب لدى الولايات المتحدة، معتز زهران، عقدًا بقيمة 65 ألف دولار شهريًا مع شركة محاماة Brownstein Hyatt Farber Schreck بعد يوم من إلقاء بايدن خطاب النصر. وقَّع رويس العقد نيابة عن شركة المحاماة التي تتخذ من مدينة دنفر الأمريكية مقرًا لها، وهو جمهوري كان يمثل ولاية كاليفورنيا وترأَّس لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب من 2013 حتى 2018.

إلى جانب رويس، من المتوقع أن يشرف على عمل الفريق مدير مكتب بيلوسي السابق والمخضرم الذي قضى 25 عامًا في مبنى الكونجرس (كابيتول هيل)، نديم الشامي، والذي كان قد نشأ في مصر. حيث سُجِّل في الفريق كذلك اثنان من شركاء الشركة، وكيل الضغط الجمهوري المخضرم مارك لامبكين، الذي يدير مكتب الشركة في واشنطن، وجامع التبرعات الديمقراطي البارز ألفريد موتور، وينضم إليهما مدير السياسة بالشركة دوغلاس ماغواير.

ووفقًا للتسجيل لدى وزارة العدل الأمريكية، ستُقدِّم الشركة "خدمات ذات صلة بالعلاقات الحكومية واستشارات إستراتيجية بشأن مسائل مطروحة أمام الحكومة الأمريكية"، وتبلغ مدة العقد مبدئيًا سنة واحدة وسيخضع لإعادة تقييم بعد ذلك.

من جانبها قالت ميشيل دن، مديرة برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: "من الواضح أنَّهم قلقون"، يشار إلى أن عصابة الانقلاب بمصر انفصلت عن شركة الضغط المتعاقدة معها منذ وقت طويل، مجموعة Glover Park، في يناير 2019، بعد مقابلة كارثية مع برنامج (60 دقيقة) على شاشة CBS الأمريكية، ضغط فيها مُقدِّم البرنامج، سكوت بيلي، مرارًا على السفاح السيسي بشأن سجله في حقوق الإنسان.

هل ستدفع الإمارات الفاتورة؟

وكانت المجموعة قد مثَّلت عصابة السفاح السيسي منذ 2013، حين تخلت مجموعات الضغط الأخرى التي تعمل لصالح مصر عنها بعد الانقلاب العسكري ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي.
وكان موقع إنترسبت الأمريكي ذكر في 2017، أن رسائل بريد إلكتروني مسربة من حساب السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، كشفت أن الإمارات تحملت فاتورة جهود ضغط مجموعة Glove Park، وليس معلومًا ما إذا كانت الإمارات ستتحمل التكلفة هذه المرة أيضًا أم لا.

لن يدمر العلاقات
في غضون ذلك، كثَّف منتقدو القاهرة جهود ضغطهم أيضا، وفي تصريحاتٍ لموقع Middle East Eye البريطاني قال طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: "من المرجح أن تتسبب حقوق الإنسان في توترات بين الجانبين، لكن هذا لن يدمر العلاقات بينهما، ففي النهاية يحرص البلدان على الحفاظ على العلاقات القوية بينهما".

وتوقع Middle East Eye أن تجلب خسارة ترامب عهدًا جديدًا لسياسة أمريكية "أقل تسامحًا" تجاه عصابة السفاح السيسي، وقبل أيام من صدور نتائج الانتخابات الأمريكية أطلق السفاح السيسي سراح مئات السجناء السياسيين آخرهم أقارب المدافع المصري الأمريكي عن حقوق الإنسان محمد سلطان.
وكان بايدن سلَّط الضوء على قضية سلطان في انتقاده للسفاح السيسي قبل 4 أشهر، ما يوحي بأن الإفراج كان علامة على "تراجع" السفاح السيسي، ويتوقع مراقبون اتخاذ عصابة الانقلاب مزيدًا من الإجراءات في الفترة المقبلة لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان وتخفيف التوترات المحتملة مع بايدن.
وعاصر بايدن ذروة احتدام الأزمة بعد غدر العسكر بالرئيس الشهيد محمد مرسي، وكان في قلب الإدارة الأمريكية خلال 3 أعوام من الولاية الحرجة للسفاح السيسي.

ويرجح مراقبون أن يكتفي بايدن بالتصريحات الإعلامية التي ترضي المعارضة والمصريين وتوحي بتغيير نسبي، لا سيما في ملفات حقوق الإنسان والحريات العامة، فيما تظل علاقات بلاده الاستراتيجية مع عسكر الانقلاب دون "تغيير جذري" يهدد وجودهم على راس السلطة الخادمة للكيان الصهيوني.
كما تفرض أعباء الولايات المتحدة الداخلية خفوتا حتميا للقضايا الإقليمية من قائمة أولويات إدارة بايدن الجديدة، نظرا لتفاقم أزمة تفشي فيروس كورونا، ودعم الاقتصاد، وتحسين صورة أمريكا بعد تضررها دوليا بعهد دونالد ترامب، وفق مراقبين.

ويعوّل سياسيون ومعارضون بمصر، على قدرة بايدن في إعادة رسم صورة واشنطن المدافعة عن حقوق الإنسان، بعد أن توارت وخفتت تماما في عهد سلفه ترامب.
لكن بايدن سيحاول أيضا تلافي 4 سنوات "عسيرة" من عمر الولايات المتحدة، قام فيها ترامب بـ"الخروج عن النص الأمريكي" في السياسات الخارجية بالعديد من الملفات، أبرزها الإيراني والفلسطيني.

Facebook Comments