"فارس المنابر" كان العنوان الأبرز في مسيرة الشيخ عبدالحميد كشك، وكان أول من سجله؛ الصحفي الراحل محمود فوزي في كتاب يحمل الاسم نفسه، وقبل 4 أيام، في 6 ديسمبر، كانت ذكرى رحيله الـ24، وكان أبرز ما استحضره رواد مواقع التواصل الاجتماعي تعليقا على الذكرى، سخريته الشهيرة ومقولته الأثيرة، إن "تسعة أعشار الظلم في مصر والعشر الباقي يطوف العالم ثم يعطف مبيتا في مصر"، بعدما أعاد التاريخ نفسه، فانتشر الظلم لعباد الله المصريين، من أنظمة سلطوية، فالسجناء عادوا بالآلاف مجددا والضحايا بعشرات الآلاف تارة بالتعذيب وأخرى بالإعدام وثالثة بثلاجة الإخفاء القسري ثم القتل بلا محاكمة أو حتى عرض على النيابة.
وهناك أشكال أخرى من الظلم؛ آخرها ما قامت به أوقاف الانقلاب بفصل خطيب تحدث عن الشيخ كشك فوق المنبر، وقرر محمود أبوحسبة، وكيل وزارة الأوقاف بالقليوبية بحكومة الانقلاب، فصل خطيب المسجد القبلي بمسطرد التابع لوزارة الأوقاف، لحديثه أثناء الخطبة عن الشيخ كشك ومعاناته من التعذيب في السجون، ودعائه على الظالمين.
كشك وبدران
ومن مفارقات ذكرى رحيله هذا العام 2020، أنها وافقت وفاة شمس بدران، وهو واحد من أعتى مجرمي نظام الظلم في مصر في عهد الدكتاتور جمال عبدالناصر، والذي قال في مذكراته، إنه ليس نادما على ما فعله بـ"الإخوان" عام 1965، مؤكدا أنه "لو عاد الزمن لكرر الأمر نفسه معهم"!. وأعاد الناشطون أحاديث للشيخ عبد الحميد كشك التي أفاض فيها عن أساليب التعذيب التي اتبعها شمس بدران معه حيث أخبره بدران وهو يستغيث بالله "لو ربنا نزل هحطه معاكم في السجن"!.
وكان بدران مكلفا بمواجهة جماعة الإخوان، وأشرف على تفكيك الهيكل الإداري والتنظيمي للإخوان عقب قضية 1965، وزج بالآلاف من عناصرهم وقادتهم في السجون، وانتزع اعترافات من الإخوان حول أنشطة الجماعة الدعوية وهياكلها الإدارية في الداخل والخارج وشبكات تمويلاتهم، وأُطلق عليه لقب (قاهر الإخوان)؛ لكنه مضى وبقي الإخوان، وسيرحل سفاح العسكر عبدالفتاح السيسي وسيعود الإخوان أقوى مما كانوا.
الشيخ كشك رحمة الله في خطبة من خط، ه كشف كيف عذب شمس بدران المفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب لينتزع منه اعترافا بعبد الناصر، وهذا الحوار الذي يدرس بين عالم وطاغية، قال فيه "سيد": "إن هذه السبابة التي تشهد لله بالوحدانية تأبى أن توقع اعترافا لطاغية.."، وسجل الشيخ كشك عن بدران ـ أيضا ـ أنه قد قال لأحد المساجين عنده: "اقرأ سورة الفاتحة بالمقلوب"، وعلق الشيخ "والله تعالى قال لا مبدل لكلماته".
واستعاد الناشطون مقاطع من خطب الشيخ كشك المحفوظة والتي يستمع إليها الناس حتى اليوم، وتدور إسطواناتها في وسائل المواصلات، وهي التي يفيض فيها الشيخ في بدايتها بالتوحيد وذكر أسماء الله الحسنى .. من الواجد .. من الماجد .. من المنتقم ..من الجبار، ويظهر المستمعون يردون على أسئلته بصوت جهير "الله".
ومن ثوابت خطبته التذكير بالموت في قوله المنقول "من أراد حجة فالقرآن يكفيه، ومن أراد مؤنسا فالله يكفيه، ومن أراد الغنى فالقناعة تكفيه، ومن أراد موعظة فالموت يكفيه، ومن لم يكفه شيء من هذا فإن النار تكفيه…….".
ومن أبرز ما كتبه شباب اليوم والذين استمعوا للشيخ وعرفوا جرائم الظالمين من خلال خطبه، يقول "عبدالله الشريف": "هلك شمس بدران أحد أركان التعذيب في السجون المصرية في حقبة النكسة، عرفناه من روايات الناجيين من تحت جحيم أقبيته، كل من سمع الشيخ كشك ــ عليه رحمة الله ـ يعرف من هو المجرم بدران، وماذا فعل بالشيخ وبالمصريين من قبله. الآن الجميع تحت التراب وإلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصومُ".
ويشير المتابعون إلى أن التاريخ يشهد أن شمس بدران(91 سنة)، لم يعرف أحد بموته – كونهم ظنوه مات وانقضى- في حين ما زالت كلمات الشيخ كشك وعلمه ينتفع به الناس ولا يزال محفورا في الذاكرة، يستمع لخطبه الشباب وتستدعى من الذاكرة، لتكون نبراسا لرجل صدع بالحق ولم يخش في الله لومة لائم.
مبارك يمنع الشيخ
ولد الشيخ عبد الحميد كشك، في شبراخيت بمحافظة البحيرة، في 10 مارس 1933م، وتوفي في 6 ديسمبر 1996م، وحفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره، ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية، وفي السنة الثانية ثانوي حصل على تقدير 100%. وفي الثانوية الأزهرية كان ترتيبه الأول على الجمهورية، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر. و”كشك” الشهير بفارس المنبر واحد من أبرز خطباء القرن العشرين في العالم العربي والإسلامي، وله أكثر من 2000 خطبة مسجلة.

ومن جرائم المستبد حسني مبارك أنه منع الشيخ كشك من الخطابة، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في منزله، وله خطبة وحيدة رغم ذلك الحصار، بمسجد العزيز بالله بمنطقة الزيتون، حين وقع الزلزال في مصر، فاحتشد المصلون أمام منزله وصلى بهم الجمعة، وخطب خطبته الوحيدة؛ حيث اعتبر أن المعاصي والذنوب وراء غضب الله ونزوله على العباد. وفي عزاء مرشد الإخوان المسلمين عمر التلمساني عام 1986، وجه الشيخ كشك كلمة إلى الحاكم الظالم. ويعتبر الشيخ أن انقلاب 23 يوليو قضى أيضاً على الأزهر الشريف في 1961 ، وقال: "لقد مات الأزهر وقسم وضرب به إلى مجلس الأمة ليصلوا عليه صلاة الجنازة، ثم امتلأت السجون في 1965م.
أما شباب جماعة الإخوان المسلمين، فقال عنهم الشيخ كشك، إن هذا الشباب لا يعرف للسلاح طريقا ولا لاستعماله سبيلا؛ مستشهدا بالآية القرآنية “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”، وأن شباب الإخوان لا يعرفون الهدم والعداء؛ لأنهم تربوا على يد رجل يسمى حسن البنا، كان يقول لأتباعه: «كونوا مع الناس كالشجر يرمونه بالحجر فيرميهم بأطيب الثمر».

Facebook Comments