اعتبر "مركز كارنيجي للشرق الأوسط" أن إغلاق مصر للتحقيق في مقتل ريجيني هو طريقة عبد الفتاح السيسي لتفادي التحديات من الداخل، ففي مقال لكبير باحثي المركز "يزيد صايغ" بعنوان "مواراة الجثث " خلص إلى أن "تكتيكات المماطلة للسلطات والأجهزة الأمنية المصرية نجحت فقط في قضية ريجيني، بعد كل شيء، لأن الحكومة الإيطالية سمحت لهم بالعمل".
ودمج الباحث بين شخصيتي عبد الفتاح السيسي وصدام حسين لاسيما فيما يتعلق بالتحكم الذاتي دوني المستوى الذي يضطر السيسي للسماح به للأجهزة الأمنية المسماة بالسيادية بما يضعه في موقع ديكتاتور عربي آخر هو: صدام حسين. وأوضح أن صدام بين عامي 1991 و 2003، استمر في منع مفتشي الأسلحة النووية التابعين للأمم المتحدة من الوصول، على الرغم من أن التحقق من عدم وجود منشآت وأنشطة نووية كان شرطا لتخفيف عقوبات الأمم المتحدة الشاملة التي عانت بموجبها البلاد.
وأضاف أن المفارقة القاسية هي أنه لم يكن هناك –لدى صدام- ما يخفيه، حيث تم تدمير أو تفكيك البرنامج النووي. أما منطق التشابه الذي رآه "صايغ" فكان رؤية صدام حسين، أن الخضوع لمطالب الأمم المتحدة للوصول إلى السلطة كان سيضعف عرضه للسلطة محليًا ويثير تحديات من داخل نظامه.
وقال "لا يمكن للسيسي أن يسمح لأعضاء ائتلافه الحاكم وشبكاتهم بأن ينظروا إلى نفسه على أنه يستجيب لطلب قضائي من حكومة أجنبية، لا سيما تلك التي لا يمكن أن تنتهي إلا بعقوبات شديدة وخفض رتبته في أمر التنقيط الداخلي". واستدرك موضحا -اتهام إيطاليا بأنها سمحت له بالعمل- أن السيسي على عكس صدام حسين، لا يواجه حتى تهديدًا ذي مصداقية بفرض عقوبات أو أي نوع آخر من العقوبة، وبالتالي ليس لديه سبب للتعاون مع طلبات القضاء الإيطالي.
تكتيكات الانقلاب
وأعتبر يزيد صايغ أن التهرب والمعلومات المضللة وأساليب المماطلة الأخرى هي مخزون التجارة للسلطات كلما واجهت ضغوطا خارجية لإجراء إصلاحات اقتصادية وتشريعية وإدارية وحقوقية ذات مغزى، وهي سلوك قياسي للأجهزة الأمنية.
والتفت الباحث إلى أن عبد الفتاح السيسي يحجم دائما عن بذل المزيد من الجهد لإبعاد إدارته عن الجريمة وتقليل الإضرار بالسمعة في الخارج. واستدرك أن ريجيني لم يشكل على الإطلاق أي تهديد يستدعي اهتمام السيسي. وقال: "من المستبعد جدا أن يكون السيسي أو حاشيته على علم بوجود الإيطاليين في مصر، أو حتى باختفائه، إلى أن التقطته وسائل الإعلام الدولية".
منظومة القمع
ولكنه لم يستبعد مسؤوليته بالمطلق، فقال إن "التفسير الأكثر ترجيحا هو أن تعامل السيسي مع قضية ريجيني كان، ولا يزال، دالة على علاقة السيسي بأجهزة الدولة الرئيسية التي تعتمد قبضته على السلطة على دعمها". وفي إشارة للمعلومات المضللة التي رأى أنها أصابت السيسي نفسه، أشار إلى أن "السلطات لديها مشكلة خطيرة على أيديها تتطلب تدخل السيسي، كانت الأجهزة الأمنية والنيابة العامة ووسائل الإعلام المتحالفة قد نفت بالفعل أي علم أو تورط، وهو ما وُضِع السيسي في موقف حرج منذ البداية، لأن اتخاذ الإجراء المناسب يعني التراجع عن الرواية الرسمية لحكومته.
واعتبر أن تصفية داخلية الانقلاب خمسة في ميكروباص باتجاه حلوان ثم اتهامهم بالمسؤولية عن قتل ريجيني هو مزيد من المزاعم الرسمية التي قدمتها الأجهزة الأمنية بإلقاء اللوم على عصابة إجرامية في اختطاف ريجيني وقتله لم يكن لها مصداقية كبيرة خارج مصر. واستدرك أن قتل الخمسة له هدف حقيقي وهو "جعل التراجع أكثر إحراجا للسيسي، من خلال رفع الثمن السياسي لاتخاذ الإجراءات، قامت هذه الوكالات –الأجهزة السيادية التي قتلت ريجيني- بحماية نفسها.
ارتباط عصابي
وألمح الباحث إلى تشكيل أشبه بالعصابات وليس حكم دولة، فقال: "هل كان من الممكن أن يتصرف السيسي بشكل أكثر حسما إذا كان يريد فعلاً ذلك؟ إنه الشخصية الأكثر نفوذاً في مصر اليوم، لكن يجب عليه أيضا أن يتنقل ويتفاوض باستمرار مع القطاعات المؤسسية التي تشكل ائتلافه الحاكم – خاصة القوات المسلحة ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية التابعة لها والقضاء. في الواقع، هو أيضًا عرضة للديناميكيات التنافسية داخل كل من هذه القطاعات ومعارك النفوذ بينهما". وأضاف "يمكن للسيسي-بل يفعل-التلاعب بالمنافسات بين المجموعات المختلفة لمصلحته الخاصة.. نفوذ السيسي كبير".موضحا أنه كرئيس سابق للمخابرات العسكرية، تولى منصبه وهو يعلم، مجازيا، مكان دفن العديد من الجثث، وبصفته الحالية، فإنه يسيطر أيضًا على مديرية المخابرات العامة (التي تتبعه مباشرة) وترأس هيئة الرقابة الإدارية وموظفوها تقريبا. بالكامل من قبل الضباط المتقاعدين والعاملين، وكلاهما يتم نشرهما للترهيب والمعاقبة.

Facebook Comments