آثار استقبال الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لقائد الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي في باريس رغم الاحتجاجات الدولية والفرنسية الكثير من التساؤلات عن السر الذي يجمع ماكرون بالسيسي الذي يمارس كل الجرائم ضد شعبه وله ملف قذر فى انتهاكات حقوق الإنسان.
وأكد عدد من الخبراء والمحللين السياسيين أن ماكرون وجه أكبر إساءة لفرنسا بلد الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما سمح لنفسه باستقبال هذا المجرم القاتل السفاح.
وقال الخبراء إن ماكرون يواجه ضغوطا داخلية وخارجية غير مسبوقة بينما السيسي خائف من أن يشتد طوق العزلة حول عنقه، بعد تسلم الإدارة الديمقراطية الحكم في واشنطن مطلع العام المقبل مؤكدين أن هذا هو ما جمع بينهما.

غريقٌ بغريق
المحلل السياسي المغربي علي أنوزلا وصف اللقاء بأنه "استنجاد غريق بغريق" مشيرا إلى أن كلا الرجلين يحتاج إلى الآخر في هذه الظروف. مشيرا إلى أن باريس تكتمت على موعد زيارة السيسي حتى قبل 4 أيام من حدوثها، لأنها تدرك أن زيارة من هذا القبيل هي تزكية مجانية لجرائم ديكتاتور مصر.
وقال "أنوزلا"، في تصريحات صحفية، إن الرئيس الفرنسي المتعجرف تحدى الجميع، وأصر على استقبال السيسي، غير المرحب به شعبيا، رغم الاحتجاجات والاعتراضات التي رافقت زيارته، ليس فقط من أجل صفقات السلاح التي حاول "ماكرون" أن يبرّر بها سكوته عن جرائم السيسي في مجال حقوق الإنسان؛ فقيمة الصفقات المبرمة لم تتعد 1,4 مليار يورو خلال السنوات الماضية، وإنما لأسباب أخرى في نفسه!
وأكد أن ما يشغل بال الرجلين تمسكهما بالسلطة، ماكرون يعد لها، بخبث ومكر، انتخابيا، والسيسي يستعد لمواجهة تقلباتها متوجسا، موضحا أن الاتهامات الموجهة إلى ماكرون، داخل بلاده من سياسيين فرنسيين ووسائل إعلام فرنسية محترمة، بنهج أسلوب ديكتاتوري في اتخاذ قراراته وفرض كثير من سياساته ليس جديدا، فمنذ وصوله إلى الحكم، أظهر ماكرون، احتقارا كبيرا للطبقات الشعبية الكادحة، وأطلق تصريحاتٍ مستفزة ضد مواطنيه، وواجه بعجرفة وعنف احتجاجات أصحاب "السترات الصفراء"، وتعنت في الاستجابة لمطالب حركة الإضرابات ضد تعديل قانون التقاعد.

علاقة استثنائية

وأشار "أنوزلا" إلى تصاعد القلق داخل المجتمع الفرنسي من التحول الأمني الذي اتخذه ماكرون وتجسد في مشروع قانون "الأمن الشامل"، الذي قسم الفرنسيين إلى من يؤمن بقيم الديمقراطية ويجد نفسه في مواجهة عنف الشرطة في الشارع، ومن يعارضها ويجد نفسه في صف "ماكرون".
ولفت إلى أنه قُبيل الإعلان عن زيارة السيسي فتح ماكرون على نفسه جبهة معارضة واسعة في العالم الإسلامي، عندما أطلق تصريحاته المستفزّة حول الإسلام، وطرح مشاريع قوانينه العنصرية حول ما يصفها بـ "الانعزالية الإسلامية"، وعرض بلاده لحملة مقاطعة اقتصادية جعلته يتودد إلى الرأي العام الإسلامي للتخفيف من وطأتها.
وأكد "أنوزلا" أن فشل "ماكرون" الذريع في أزمة وباء كورونا وتداعياتها دفعه إلى الاستنجاد بالسيسي، في وقت يدرك فيه أن نظام السيسي يواجه سيلا من الانتقادات بشأن حقوق الإنسان ويعبر واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنسفه مع أول انفجار اجتماعي يهز البلد. فتولدت هذه العلاقة "الاستثنائية" و"الودّية" بين ماكرون الذي يواجه ضغوطا داخلية وخارجية غير مسبوقة والسيسي الخائف من أن يشتد طوق العزلة حول عنقه، بعد تسلم الإدارة الديمقراطية الحكم في واشنطن مطلع العام المقبل.

مبيعات الأسلحة

وحذر "أرنست خوري" مسؤول القسم السياسي بصحيفة "العربي الجديد" من أن نجاة عبد الفتاح السيسي من الجرائم المرتكبة منذ الانقلاب تبقى العنوان العريض منذ اختياره من دونالد ترامب ديكتاتورا مفضلا، وغض الطرف من إيمانويل ماكرون عن السجل الأسود للديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر. 
وقال خوري فى تصريحات صحفية أن زيارة السيسي تضع ماكرون في موقع شجب أخلاقي. مشيرا إلى أن 20 منظمة فرنسية حقوقية ورسالة من 15 نائبا أوروبيا نشروها في صحيفة "لوموند" الفرنسية استنكروا فيها اكتفاء ماكرون بمجرد "إشارة عابرة لحقوق الإنسان في نهاية مؤتمر صحفي"، ناهيك عن إعراب المنظمات عن ذهولها لرؤية البساط الأحمر ممدودا للسيسي في فرنسا، فضلا عن قرع الطبول وعزف الأبواق ومرافقة الحرس الجمهوري الفرنسي السيسي في وسط العاصمة مثلما يحصل مع الرؤساء المحترمين.
وأعرب عن دهشته من تنصيب السيسي من ماكرون في مرتبة منظر، فذاك ما كان مطبلاتية العسكر يتوقعونه ولا في المنام. رغم أن العالم أجمع على ضآلة مؤهلات السيسي.
وأشار خوري إلى أن هدف ماكرون من كل ذلك عدم ربط مبيعات الأسلحة الفرنسية لمصر بسجلها في حقوق الإنسان والديمقراطية.

المأساة والمسخرة

وتساءل الكاتب الصحفى وائل قنديل هل يمكن اعتبار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ممثلا لقيم الثورة الفرنسية ومبادئها؟ وهل هذا الـ"ماكرون" ابن أو حفيد لثورة"الحرية والمساواة والإخاء" التي يراها مؤرخون وباحثون كثيرون الملهمة لكل الشعوب الباحثة عن تغيير ديمقراطي وعدالة وتنوير في العالم؟
وانتقد قنديل، في تصريحات صحفية، ظهور ماكرون مع عبد الفتاح السيسي، ليمنحه رخصة بممارسة الاستبداد وقتل الحريات، وهو يطمئنه بأنه مهما استعمل من أدوات للتعذيب والمصادرة وتغيبب حقوق الإنسان، لن تبخل عليه فرنسا بصفقات السلاح والدعم الاقتصادي، ثم يختزل موضوع حقوق الإنسان في مصر في مجموعة من النشطاء محددين بالاسم.
وأكد أن ثنائية "المأساة والمسخرة" تنطبق على نحو أعمق، عند الحديث عن ماكرون بمعيار آباء الديمقراطية الفرنسية؛ إذ يبدو مقطوع الصلة تماما بالتراث الفكري للفلاسفة والسياسيين الذين ارتبطت أسماؤهم بأدبيات الثورة الفرنسية، ويظهر وكأنه جنرال مرصع بالنياشين والرتب من دون أن يكون قد أكمل تعليمه المتوسط، هارب للتو من بين صفحات كتب الاستبداد الشرقي، ليعبر المتوسط ويستقر في أوروبا.
وأشار "قنديي" إلى أن حديث ماكرون، في مؤتمر صحفي جمعه بالسيسي بقصر الإليزيه جاء كما لو كان ترديدا لكلام السيسي في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع ماكرون بقصر الاتحادية قبل نحو عام مضى؛ إذ قال السيسي، بلهجة حاسمة في ذلك الوقت، "لن تعلموننا إنسانيتنا فهي غير إنسانيتكم"، ثم أضاف: "لا ينبغي أن يطبق المنظور الغربي على الحريات المدنية في مصر" وهو ما كرره ماكرون في هذا المؤتمر.

Facebook Comments