"إني أشم رائحة الجنة على بعد ميدان التحرير"، عبارة نطق بها الشيخ الشهيد عماد عفت بعدها داهمته رصاصات العسكر الغادرة والتي اختارته لترفع الذئاب قميصه ملطخا بالدماء وتدعي أن من قتلوه هم جماعة الإخوان! واليوم تمر ذكرى جريمة المجلس العسكري التاسعة والتي قتل فيها الشيخ "عفت"، ومن حسن حظنا جميعا أن أحداث مجلس الوزراء كانت في 2011، فلو وقعت في هذه الأيام أو بعدها ما جرؤ أحد على رفع صور الشيخ عماد عفت باعتباره من أيقونات الثورة، لأن شرطة الانقلاب كانت ستهاجم تظاهرتهم، لأنها بلا تصريح، وربما تقتلهم بدعوى أنها مظاهرة مسلحة.
الآن يقضي الآلاف من خيرة شباب مصر ورجالها ونسائها هذا الشتاء البارد في سجون الظلم بدولة عسكر 3 يوليو، بتهم باطلة لفقتها بهم محاكم الاحتلال العسكري الذي قام بالانقلاب، لأنهم "إخوان" أو تعاونوا مع "الإخوان" أو نظموا فعالية تخدم أهداف "الإخوان" أو ادعى خصومهم أنهم خلايا نائمة لـ"الإخوان".
وتمر اليوم الذكرى التاسعة على استشهاد الشيخ عماد عفت، العالم الأزهري، الذي دعم ثورة 25 يناير منذ شرارتها الأولى حتى قتله يوم الجمعة 16 ديسمبر 2011 في أحداث مجلس الوزراء في عهد حكم المجلس العسكري.
ضد الظلم
ولد الشيخ عماد عفت، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، في الخامس عشر من أغسطس عام 1959، وحصل علي ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة عين شمس عام 1991، بعدها، نال ليسانس الشريعة الإسلامية في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف عام 1997، ودبلومه بالفقه الإسلامي العام من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1999، ودبلومه الشريعة الإسلامية من كلية دار العلوم بالقاهرة.
تولى عفت منصب مدير إدارة الحساب الشرعي بدار الإفتاء المصرية، وعضوية لجنة الفتوى بالدار، بعد أن كان رئيس الفتوى المكتوبة، وتم تعيينه في دار الإفتاء في أكتوبر 2003، وعمل كباحث فقهي بدار التأصيل للدراسات الشرعية.
يقول الشيخ عبد الغني هندي، منسق جبهة استقلال الأزهر، إن قضية الشيخ عماد عفت من استشهاده، لم تتحرك لأنها لم تخرج من النيابة العامة. ومن جانبها، أوضحت نشوى عبد التواب، زوجة الشيخ عماد عفت، أن التحقيقات وقفت بعد عام فقط من مقتله، والقضية أغلقت وقيدت ضد مجهول، ولن أتحدث عن ذكري الشيخ عماد إلا بعد أن ينصلح حال البلد.
وقد أصدر عماد عفت فتاوى، بجواز الاعتصام والتظاهر، وأبدى رأيه هذا في أكثر من مناقشة، وفي حالات بعينها، فحين سأله أحدهم إبان أحداث محمد محمود:” من على صواب ومن على خطأ من عند وزارة الداخلية هم المدافعون عن أنفسهم، أم يريدون اقتحامها”. قال رحمه الله: ”الثوار على صواب والداخلية مجرمة، تترك البلطجية وتهين الثوار ومصابي الثورة، وهي الذراع الحقيقية للمجلس العسكري في عمل الثورة المضادة”.
حزب الكنبة

وحين سأله مرة ثالثة إذا كان يرى ما يحدث من نتائج المظاهرات من قطع للطرقات العامة وحرق لسيارات الشرطة، وإن كان يرى ذلك خطأ، جاءت إجابته صريحة ومباشرة: ”لا.. لا أرى ذلك، لم يكن هناك أي ترويع للآمنين وكفاك يا حزب الكنبة كلام، فيما لا تعرف ولا تشاهد ولا تعايش ولا تخبر، هذه نفس النغمة النشاز التي أطلقها حزب الكنبة، وغيره ممن قعد عن نصرة الحق، أيام ثورة يناير المباركة”.
وسبق وأفتى الشيخ عماد عفت قبل ذلك بحرمة التصويت في الانتخابات لأعضاء الوطني المنحل، وكان لعماد عفت موقف نبيل مع القضية الفلسطينية، إذ أفتى بحرمة بناء الجدار العازل في فلسطين.
وبدأت الساعات الأخيرة من حياة الشهيد عفت مع استمرار اعتصام مئات المتظاهرين في ميدان التحرير، ثم انتقل إلي أمام مقر مجلس الوزراء احتجاجًا علي تعيين الدكتور كمال الجنزوري، رئيسًا للمجلس، فبدأت الأحداث مع فجر يوم 16 ديسمبر 2011 عندما تم اختطاف أحد المعتصمين والاعتداء عليه بالضرب المبرح ثم إطلاق سراحه؛ ما أثار غضب كثير من المصريين وبدء المناوشات والاشتباكات بين قوات الأمن والمعتصمين، والتي استمرت لمدة أسبوع كامل، أسفرت عن 17 شهيدا ومئات المصابين، من ضمنهم الشهيد الشيخ عماد عفت.
وبحسب مراقبين يعد "عفت" من العلماء العاملين الربانيين، وقد أعادت دماؤه الزكية وذكرى استشهاده سيرة كفاح العلماء وثورتهم ضد الظالمين، فقد جُلد الامام مالك 300 جلدة وهو عالِم المدينة لإعلاء كلمة الحق، أما الإمام ابن تيمية فذاق مرارة السجن 17 عاماً ومات في زنزانته لذات السبب، وعلى ذات الطريق تم تكبيل الإمام أحمد بن حنبل بالسلاسل 27 شهراً، وتم جلده 3 مرات في يوم وهو صائم، كما تم سجن الإمام ابن القيم نحو 16 سنة، لم يخل يوم واحد منها من التعذيب. وعلى خطى هؤلاء العلماء الربانيين لا يزل آلاف العلماء ثابتين صابرين في سجون العسكر يعضون على الحق بنواجذهم مهما كلفهم ذلك من إيذاء وابتلاء.

Facebook Comments