بثت القوات البحرية المصرية فيلما تسجيليا جرى بثه مساء الأربعاء الماضي، 16 ديسمبر 2020م، وسرعان ما قامت بحذفه كاملا من صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي ثم جرى إعادة نشره بعد حذف مقطع واحد فقط، كان يحتوي على تدمير فرقاطة "إسرائيلية"؛ وهو ما يؤكد أن العقيدة القتالية للجيش المصري جرى التلاعب بها على نحو واسع، فقد أصبح نصف الشعب المصري على الأقل هم العدو الذين يوجه إليهم الجيش سلاحه ولا يتورع عن قتلهم كما فعل في رابعة والنهضة ورمسيس والمنصة والحرس الجمهوري وقبلها في مجلس الوزراء وماسبيروا وإستاد بورسعيد والدفاع الجوي وغيرها.
https://www.youtube.com/watch?v=5NPQZ5K4IOU
وبحسب وحدة الرصد والتحقيق في قناة الجزيرة مباشر، فقد حذفت البحرية المصرية لقطة تدمير فرقاطة تحمل العلم الإسرائيلي من الفيلم التسجيلي. وأشارت إلى أن وسائل الإعلام الرسمية والمقربة من النظام بثت لقطة تدمير الفرقاطة الإسرائيلية ضمن الفيلم التسجيلي المحذوف. ويشير الفيلم الذي يحمل عنوان "سادة البحار" لذكرى قيام القوات البحرية المصرية بتدمير المدمرة الإسرائيلية "إيلات" في 21 أكتوبر عام 1967 والذي حددته القوات البحرية تاريخا لعيدها بعد ذلك.
https://www.youtube.com/watch?v=8VCBukmTmlg

تحول بالعقيدة القتالية

وتأكيدا على التحولات الكبرى في العقيدة القتالية للجيش المصري، كانت الجيش قد أجرى مناورات تدريبية يوم الأربعاء 20 يوليو 2016م خلال حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الجوية، وكانت الصدمة المدوية أن التدريب الأساسي لهؤلاء الطلاب المتخرجين حديثا من القوات الجوية هو استهداف مجسم لمسجد بكامل تفاصيله! وحين أبدى المسلمون استياءهم من هذه "الإهانة الصادمة" لم يكترث رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وقادة الجيش الذين كانوا شهودا على الجريمة؛ ولم يقدم نظام الانقلاب ولا المؤسسة العسكرية المصرية اعتذارا عن هذه الإساءة وتلك الجريمة، وراحت ألآلة الإعلامية لنظام العسكر في مصر تبرر هذه الخطيئة بأنها جزء من تدريب الجنود على قصف المساجد التي يتحصن بها الإرهابيون حتى تزول الرهبة من نفوسهم، لكن الرسالة كانت قد وصلت في تأكيد على أن الانقلاب قد طال كل شيء في البلاد فهو انقلاب على الإسلام بدعوى الحرب على الإرهاب، بذات القدر الذي مثل فيه انقلابا على المسار السياسي الديمقراطي الذي أنتجته ثورة يناير 2011م. ومن دواعي الأسف أن الأزهر التزم الصمت أمام هذه الجريمة ولم ينطق أحدهم بكلمة حق أمام سلطان جائر.
https://www.youtube.com/watch?v=Q3AnpW7ocHM
استهداف الجيش لمجسم مسجد في تدريب عسكري وإشراف الهيئة الهندسية للجيش على هدم عشرات المساجد بدعوى أنها مخالفة؛ يمثل عدوانا على الهوية الإسلامية لمصر، وبرهانا على أن العقيدة القتالية للجيش جرى التلاعب بها على نطاق واسع، وشهدت انحرافا غير مسبوق يناقض الإجماع الوطني؛ ذلك أن المؤسسة العسكرية المصرية منذ عقود وهي تعتبر (إسرائيل) كيانا لقيطا وعدوا يهدد الأمن القومي المصري في الصميم، لكن الولايات المتحدة الأمريكية سعت منذ اتفاق كامب ديفيد 1979م إلى إجراء تحولات ضخمة على بنية المؤسسة العسكرية المصرية وعقيدتها القتالية؛ وفي ديسمبر/ كانون الأول 2010، نشر موقع ويكليكس. وثائق دبلوماسية أميركية، أشارت إلى: "أن الولايات المتحدة منزعجة من استمرار الجيش المصري اعتباره إسرائيل (العدو الأساسي)، رغم توقيع اتفاقية سلام معها منذ أكثر من 3 عقود". لكن هذه العقيدة تزعزت في أعقاب نجاح انقلاب 30 يونيو وتحولت إسرائيل إلى حليف وصديق حميم، وتحت لافتة الحرب على «الإرهاب»؛ بات الإسلاميون وحركات المقاومة الفلسطينية وكل من يرفض المشروع الصهيوني في المنطقة هم العدو لهذا النظام الانقلابي؛ وبالتالي فإن مشهد استهداف ضباط مصريين لمجسم مسجد في تدريبات عسكرية هو نتيجة مباشرة لهذا الاختراق الأمريكي والتحولات الكبيرة التي جرت في العقيدة القتالية للجيش المصري تحت إشراف مباشر من السيسي وكبار الجنرالات الموالين له. وفي حين تتخذ المساجد أهدافا لرصاص الجيش، يمتنع على أجهزة الأمن رسميا دخول الكنائس أو تفتيشها، وقد تجلت هذه الحقيقة في مواجهة رهبان دير "وادي الريان" بمحافظة الفيوم، جنوب غرب البلاد، لقوات الجيش بالأسلحة الآلية؛ عندما حاولت الأخيرة استعادة آلاف الأفدنة التي ضمها الدير دون حق، ما أسفر عن مواجهة علنية بالرصاص بين الطرفين، لكن أحداً من الرهبان لم يحاسب، كما لم تتهم الكنائس بنشر الإرهاب، ولا حتى بممارسة البلطجة.

YouTube

فيديو المتحدث العسكري المحذوف بسبب لقطة إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات

تغيير الهوية 

ومنذ انقلاب 3 يوليو 2013م، يسعى النظام العسكري إلى تغيير الهوية الإسلامية لمصر؛ وتكريس نسخة من السلطوية العسكرية التي لا ترى في الدين عموما والإسلام على وجه الخصوص سوى خادم مطيع للسلطة، ودور المؤسسات الدينية هو إضفاء مسحة من الشرعية الزائفة على سياسات السلطة مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف. يدلل على ذلك أن السيسي في أول حوار صحفي له مع "واشنطن بوست"، بعد مرور شهر واحد على انقلابه العسكري، أكد للصحفية (ليلي ويموث) أنه ما قدم إلى الحكم إلا لإجهاض المشروع الإسلامي الذي أراده الرئيس محمد مرسي، حيث قال نصا: "لو كان الانقلاب عليه لفشله، كنا صبرنا عليه لانتهاء مدته، ولكنه أراد إحياء المشروع الإسلامي والخلافة". لكن السيسي عاد في 2017 م أكثر صراحة ووضوحا في تعامله مع الإسلام، حين صرح لشبكة "فوكس نيوز" الأمريكية (المعروفة بتوجهاتها المتطرفة): أنه لا مكان للدين في الحياة السياسية بعهده.

Facebook Comments