أشار تقرير "معهد الدراسات السياسية الدولي ISPI" ومقره إيطاليا إلى أنه "منذ عام 2013، بات الاقتصاد المصري تحت سيطرة الضباط وخادما لمصالحهم الاقتصادية في المقام الأول، وأنه بدأ في تحويله إلى اقتصاد مؤمن، يخضع فيه الاقتصاد بأكمله للخدمات العسكرية والأمنية".
وأوضح المركز إلى أن تلك السيطرة أدت إلى تحويل أرباح الاقتصاد إلى ضباط الجيش والمخابرات، وتمكين الجيش وأجهزة المخابرات من إنفاق الأموال العامة، وإلغاء الطابع المؤسسي لسيطرة النخبة على المناصب القيادية عن طريق استبدال الروابط العائلية بالعلاقات المؤسسية والمهنية.

وأشار التقرير إلى أنه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كان الهدف الأساسي للاقتصاد العسكري تصنيع الأسلحة والالتفاف على حظر الأسلحة. لم يكن ذلك ضروريا لإستراتيجية عبد الناصر التي اعتمدت على علاقاته الشخصية مع من هم في القيادة العليا وعلى أجهزة الأمن والاستخبارات كقوى موازنة. كانت المنشآت العسكرية محدودة العدد والحجم ولم تنتج سلعا مدنية.
وأضاف أن أنور السادات وسع الاقتصاد العسكري، في البداية كجزء من الانفتاح الأوسع للاقتصاد في أعقاب حرب عام 1973، وبعد ذلك لتنويع المؤسسات العسكرية في إنتاج السلع للاستخدام المدني بدوافع مقاومة الانقلاب والدوافع الاقتصادية.
واحتاج حسني مبارك، إلى المزيد من الموارد المادية للحفاظ على جيش مكلف بشكل متزايد. فقام بتوسيع الفرص الاقتصادية للأفراد العسكريين في حين أن الشركات العسكرية تنتج مجموعة واسعة من السلع والخدمات للسوق المدني المحلي، لتحل محل الاهتمام بالاستعداد العسكري.

الدولة العميقة 
وأشار محرر التقرير إلى دراسة أجرها كبير باحثي مركز "كارنيجي للشرق الأوسط" يزيد صايغ وآخرون بتوثيق النمو الهائل للاقتصاد العسكري في عهد السيسي. كان هذا التوسع بمثابة امتياز للجيش ومؤسساته في المقاولات الحكومية؛ جعل الجيش أكثر حصانة من الرقابة المدنية؛ وزيادة دور الدولة في الاقتصاد من خلال المشاريع العملاقة المكلفة؛ وحث الشركات الأجنبية على الدخول في علاقات تجارية مع الجيش والشركات التي يسيطر عليها؛ وشجع الجيش على تولي أدوار تجارية جديدة في القطاعات الاقتصادية المولدة للريع؛ وبسط اختصاص المحاكم العسكرية ليشمل المدنيين المصريين.
وأضاف أن هذه السياسات أدت إلى إضعاف المنافسين في الاقتصاد السياسي، حيث تم تشويه الخدمة المدنية من خلال سلسلة من فضائح الفساد. وخسرت النخبة البراقة السابقة أعمالها لصالح المؤسسات العسكرية، وواجهت إجراءات قانونية لحملها على تقديم مساهمات مالية للنظام. بالإضافة إلى تقليص أو إلغاء أعمدة التكنوقراط والمعلقين البارزين في وسائل الإعلام المعتادة. وإدارة الحكومة المحلية من قبل مديرين تنفيذيين معينين مركزيا، وكثير منهم من ذوي الخلفيات العسكرية أو الاستخباراتية، وتم وضع قطاع التعليم تحت سيطرة مركزية، حتى أن الجيش يدير المدارس الابتدائية والثانوية.
وأشار "صايغ" إلى أن تهميش المنافسين أقام دولة يهيمن عليها الجيش بأكثر سلطوية. في الوقت نفسه، تركت الطريقة التي أحدث بها السيسي هذه التغييرات مواطن ضعف في الاقتصاد العسكري.

منهج التسلط
وقال الباحث إن هذا النهج في الحكم أعاد السيسي تشكيل الدولة العميقة، هيكليا وشخصيا. والتي تتألف من الجيش والرئاسة وأجهزة الأمن والاستخبارات، الدولة العميقة في مصر ذات الثلاث أرجل منذ عهد عبد الناصر يهيمن عليها الجيش. 
وأوضح أن الرؤساء ناصر والسادات ومبارك وازنوا الجيش من خلال تعزيز أجهزة الأمن والاستخبارات، مما أدى إلى فقد المخابرات العسكرية تفوقها الأصلي لصالح المخابرات العامة، والتي، على الرغم من أن عدد موظفيها إلى حد كبير من ضباط الجيش، تخضع للرئيس وليس وزير الدفاع.
وأضاف أن الرؤساء السابقين عززوا دور وزارة الداخلية حتى لا يعتمدوا على الجيش لأداء وظائف المراقبة والمراقبة الحاسمة. تم تعزيز قوة الأمن المركزي (CSF) إلى جيش مواز، وإن كان أضعف. بالإضافة إلى منح مباحث أمن الدولة قدرات رقابة موسعة وعملت جنبا إلى جنب مع دائرة المخابرات العامة للشرطة والتلاعب بالساحة السياسية، وحتى تول "أمن الدولة" دور مكافحة الإرهاب في شمال سيناء.

المخابرات العسكرية
وعن إعادة أمن الدولة قال التقرير إن ثورة يناير 2011 أضعفت مباحث أمن الدولة وأدت إلى تغيير اسمها إلى "جهاز إلى الأمن الوطني". وفي عام 2013، لجأ السيسي إلى المخابرات العسكرية لتنظيم حركة احتجاج مدنية "تمرد" ضد حكومة الرئيس الراحل محمد مرسي، وقدم مبررا للانقلاب على مرسي، وواصلت المخابرات العسكرية تنظيم القوات الموالية للسيسي للانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2014، وهو ما تم من خلال سيطرة كاملة من المخابرات العسكرية.
واستدرك أن جميع هذه المؤسسات؛ المخابرات والمخابرات العامة والأمن القومي، شاركت في إدارة الاقتصاد، وعادة ما يديرون شبكات متوازية.

وأوضح أن لهم أدوار سياسية؛ منها انتخاب النواب المخلصين للبرلمان، ولعبت المخابرات العسكرية ودائرة المخابرات العامة دورا في الانتخابات الرئاسية لعام 2018 وحملة التعديل الدستوري لعام 2019. وتقلص دور المخابرات العسكرية في الشؤون المدنية لصالح مراقبة الضباط والإشراف على حملة مكافحة الإرهاب.

اقتصاد المخابرات 
وقال التقرير إن هذه الأجهزة وسعت، بشكل منفصل وجماعي، شبكات سيطرتها على الاقتصاد إلى حد أكبر بكثير مما كان عليه الحال قبل عام 2013. كما توضح الشركات القابضة توازنا دقيقا بين عناصر الدولة العميقة.
وأردف: شكلت المخابرات العسكرية مجموعة فالكون برئاسة اللواء شريف خالد الضابط السابق في المخابرات العسكرية.
وفي عام 2016، وقعت عقدا مع هيئة الطيران المدني لتوفير الأمن في المطارات الرئيسية في مصر، وبعد ذلك بعامين شكلت تواصل للعلاقات العامة، والتي بدورها تولت السيطرة المباشرة على تلفزيون الحياة. مع تولي العديد من الصحف أيضا من خلال تواصل، أعطى ذلك لمجموعة فالكون، وبالتالي المخابرات العسكرية، حصة كبيرة من الوسائط المطبوعة والإلكترونية.
وتابع: تمتلك GID شركة قابضة موازية، Eagle Capital، من خلال شركتها الفرعية، المجموعة المصرية للإعلام، التي تسيطر على 16 منفذا إعلاميا، بما في ذلك ON TV. ومن الواضح أن المخابرات العسكرية ودائرة المخابرات العامة منقسمة بين شركة القلعة القابضة، التي تستثمر في قطاعات يهيمن عليها الجيش، مثل النقل الجوي والبحري والنفط والغاز والأسمدة وإنتاج الإسمنت.
وأشار إلى أن المخابرات العسكرية والمخابرات العامة أسستا و استحوذتا على شركات تمتلكها بشكل مباشر وينزل إليها الضباط بـ"المظلات"! وعادة ما يكون ذلك في نهاية حياتهم المهنية. وتمتلك GID حوالي 70 % من سعة مزود الإنترنت في البلاد. إنها لاعب رئيسي في قطاع الغاز، وتستثمر في السياحة والعقارات في الوادي الجديد والساحل الشمالي. وتعمل المخابرات العسكرية والمخابرات العامة على تطوير شبكات اقتصادية توفر لهما مصادر رأس المال والتوظيف بشكل مستقل عن المنظمات الاقتصادية الرئيسية للجيش، مثل هيئة مشاريع الخدمة الوطنية والهيئة العربية للتصنيع والهيئة الهندسية العسكرية.

شركة عائلية
وعن حشر العسكريين في الاقتصاد اعتبر التقرير أنها منافسة منظمة بعناية والتعاون بين الأجهزة الأمنية لا تروي سوى جزء من قصة كيف بسط السيسي سيطرته على الاقتصاد السياسي.
وبشئ من التفصيل قال إن السيسي اعتمد على أقاربه وكذلك المقربين منه، كما عين أحد زملائه مسؤولا عن هيئة الرقابة الإدارية (ACA) في عام 2015، ثم منح سلطة أكبر لابنه مصطفى، الذي نُقل من المخابرات العسكرية الرقابة الإدارية التي اكتسبت صلاحيات واسعة في التحقيق والضبط ومواجهة الفساد في أي قطاع تقريبا بخلاف الجيش.
وأضاف التقرير أن السيسي رشق أبناءه الآخرين في مناصب رئيسية في الأجهزة الأمنية. محمود، الذي خدم مثل والده في المخابرات العسكرية، تم نقله إلى دائرة المخابرات العامة، حيث أصبح عام 2018 الشخصية الرئيسية. 
وتولى "محمود" مسؤولية العديد من الملفات التي كانت في أيدي الأمن القومي. ومدير الاتصالات داخل دائرة المخابرات العامة كان شقيقه حسن، الذي نقله السيسي إليها من شركة بترول مملوكة للدولة. 
وقال التقرير: "لعب الشقيقان أدوارا رئيسية في حملة والدهما الانتخابية لعام 2018 وفي استفتاء التعديل الدستوري الذي أعقب ذلك. في نوفمبر 2019، تمت إزاحة "محمود" بشكل غير رسمي من دائرة المخابرات العامة وإرساله إلى سفارة مصر في موسكو، على ما يبدو بسبب تضخيم سلطاته على حساب والده.
وأضاف أنه بالإضافة إلى الأبناء؛ فقد عين السيسي شقيقه مسؤولا عن وحدة غسل الأموال بالبنك المركزي، وبهذه الصفة، لافتا إلى أن الدولة المصرية تحلت عن تقليد "المؤسسية"؛ فعبد الناصر، على سبيل المثال، كان حريصا على تهميش ابنه خالد، الذي قضى معظم حياته خارج مصر. بينما ينتشر أفراد عائلة السيسي في الأجهزة الأمنية والمالية الحيوية. 

منع الانقلاب وزيادة الفقر 
ورأى التقرير أن هذه المنافسة المحمومة اقتصاديا تمنع الانقلاب عليه، والغاء فكرة التنسيق المحتمل بين أجهزته المتنافسة اقتصاديا، رغم أن تشديد السيسي للسيطرة يضر باقتصاد البلاد ويعمل بشكل سلس للدولة العميقة. معدلات النمو متباطئة، والاستثمار الأجنبي المباشر في ركود، وتباطؤ خلق فرص العمل، ويؤثر الفقر على ثلث السكان، وحتى الأغنياء يفكرون في مغادرة مصر، مع توسع الاقتصاد المورقة، فإنه لا يقوم فقط بمزاحمة القطاع الخاص، بل إنه نفسه يتأرجح بشكل متزايد.
وأضاف التقرير أنه لا توجد خطة اقتصادية أو هيكل شامل يوجه هذا التنافس بين عناصر الدولة العميقة الآخذة في التوسع. مشيرا إلى أن اقتصاد السيسي قائم على المشاريع وليس البرامج؛ لذا فهو يحرض على المنافسة داخل الدولة العميقة لكسب الدعم للمشاريع العملاقة والعقود والمكافآت الأخرى التي تولدها. وهذا يفرض الحاجة إلى إطلاق المزيد من هذه المشاريع، بغض النظر عن التحليل الاقتصادي للتكلفة والعائد. مع اشتداد العواقب الاقتصادية للوباء، سيكون هناك ضغط أكبر على عناصر الدولة العميقة أثناء تنافسهم على المناصب.
وأعتبر التقرير أن إحدى تكاليف هذه المنافسة هي القدرة القتالية للجيش. ويشير الفشل في إخضاع قوة صغيرة من الإسلاميين في شمال سيناء إلى أوجه القصور العامة للقوات المسلحة المصرية، والتي كان دورها الاقتصادي مشتتًا منذ عهد مبارك المبكر. مع استمرار توسع هذا الدور، ومع ازدياد تعقيده وتنافسية مع الأنشطة الاقتصادية لمختلف الأجهزة الأمنية، فإنه سيستنزف المزيد من الطاقة والاهتمام من الاستعداد القتالي على وجه التحديد عندما تواجه التحديات الأمنية، مثل تلك التي تمثلها ليبيا وإثيوبيا، تتكثف.

وخلص التقرير في ختامه إلى أن أسلوب حكم العائلة الذي ثبته السيسي هو وصفة للتوتر السياسي المتزايد باستمرار، ليس فقط بين الفاعلين في الدولة العميقة، ولكن بين الدولة العميقة والمجتمع ككل. سينجم التوتر عن تهميش القطاعات الاقتصادية مثل الخدمة المدنية والإعلام والتعليم والصحة، فضلا عن النمو الاقتصادي غير الكافي والتوزيع غير المتكافئ لفوائد هذا النمو. ويشير ارتفاع معدلات الفقر والعمالة غير الرسمية إلى أن هذه العملية جارية. ينذر المستقبل بدولة عميقة أكثر انقساما في حالة حرب، على الأقل من الناحية المجازية، مع المجتمع الذي تحكمه. نظرا لأن عائلة السيسي أصبحت أكثر رسوخا وقوة، وربما تكون محل نزاع داخليا، فستتراجع أيضا احتمالات الإصلاح الهادف بينما تزداد فرص الصراع العنيف، داخليا وخارجيا. 

 

Facebook Comments