على الرغم من كل التنازلات والهبات التي قدمها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على حساب شعب المملكة، فإنه لم يستطع أن يغلق ملف مقتل الصحفي جمال خاشقجي بشكل نهائي بعد، ولعل آخر ما يتعلق بهذا الملف هو قرار محكمة فيدرالية أمريكية في نيويورك حيث أمرت وكالة المخابرات المركزية ونكتب مدير المخابرات الحربية الوطنية بتفسير لحجبهما تسجيلا صوتيا يوثق اللحظات الأخيرة من حياة "خاشقجي" في قنصلية بلاده في إسطنبول.
وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يقارن بين ما قام به معمر القذافي، تجاه مرتكبي مجزرة “لوكربي” التي تورط فيها عميلان من المخابرات الليبية، وما قام به ولي عهد السعودية محمد بن سلمان مع مرتكبي جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.
بين "ابن سلمان" والقذافي 

وتداول نشطاء مقطع فيديو يقارن بين موقف القذافي في قضية "لوكيربي" وموقف "بن سلمان" في جريمة مقتل خاشقجي، فكلا النظامين ارتكب جريمة مروعة، وكلاهما أصر على عدم تسليم المتورطين في الجريمة. ونشر حساب “قذافي الدرعية” المقطع عبر تويتر وعلَّق عليه بالقول: “بن سلمان يسير على خطى القذافي في ليبيا، يرفض تسليم المشتبه بهم في تفجير طائرة "لوكيربي" للمحاكمة وقذافي الدرعية (في إشارة إلى بن سلمان) يرفض تسليم قتلة خاشقجي للقضاء التركي”.
وكان خاشقجي، المعارض البارز للحكومة السعودية، قد قتل داخل قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية في أكتوبر 2018، على يد فرقة موت تابعة لولي العهد السعودي؛ حيث جرى تقطيع أوصاله وحرق جثمانه بطريقة بالغة الوحشية، وحتى اليوم يصر المسؤولون السعوديون على أن وفاته كانت نتيجة ما وصفوه بـ “عملية مارقة”، ولا صلة للدولة السعودية بالتخطيط لها. ولكن الكثيرين يشككون في ذلك على الصعيد الدولي. وكان خاشقجي يكتب لصحيفة الواشنطن بوست ويعيش في الولايات المتحدة الأمريكية قبل وفاته.
وربما تصبح تداعيات اغتيال خاشقجي وتورط ولي العهد في جريمة اغتياله الوحشية، المسمار الأخيرالذي تدقّه مطرقة الرأسمالية المتوحّشة في نعش المملكة المُتهالِك خصوصا بعد أن قلّ شاكروه وزاد شاكوه في الداخل والخارج، وهناك العديد من الأسباب المنطقية ـ الفكرية منها والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ـ التي تُسرِّع في سقوط المملكة، ليس أولها أنها تعيش في مرحلة أرذل العُمر بعد اشتعال رأسها شيبا وتنكيس خلقها وخُلقها بفعل سفه حكّامها من العدوان على اليمن والانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بسرعة غير محسوبة، واغتيال خاشقجي، وهو ما يتوافق مع ما ذكره العلاّمة عبد الرحمن بن خلدون عن حياة الدول.
فالسعودية هي مملكة الكراهية بحسب توصيف "دوري جولد" في كتابه الذي يحمل نفس العنوان، وهي كذلك الدولة الهشّة بحسب التوصيف الذي اختاره الصحفي الأمريكي "كارين إليوت هاوس" عنوانا لكتابه الصادر عام2012م في واشنطن عن حال مملكة الرمال، يتنبّأ فيه بالسقوط الحتمي للسعودية؛ لأن عوامل بقائها على قيد الخريطة الدولية ومناعتها الاقتصادية والسياسية والدينية بدأت تتآكل من الداخل.
ضغوط داخلية

وهذا ما بشّر به أيضا أستاذ مادة التاريخ الحديث في جامعة كامبريدج "كريستوفر ديفيدسون في العام 2013" في مؤلَّفه "ما بعد الشيوخ"، وقصد به الانهيار المقبل للممالك الخليجية وعلى رأسها السعودية، وهو يرى أن مجموعة ضغوط داخلية وخارجية بدأت تتراكم في تلك الممالك قبل أحداث 2011، وقد توقّع أنه في حال سقطت إحدى دول الخليج "الهشّة" لأيّ سبب، فإن البقية ستتهاوى كأحجار الدومينو تباعا.
وفي الوقت الراهن هناك الكثير من مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية المُعتمَدة في الغرب ذات المصداقية العلمية المشهود لها على مستوى العالم جميعها تتنبّأ بالانهيار الوشيك للمملكة السعودية وانقراض عائلة عبد العزيز آل سعود، بناء على مُعطيات ووقائع ودراسات اجتماعية واقتصادية مُتخصّصة. من تلك المراكز "مركز فيريل للدراسات" في برلين في ألمانيا والذي نشر دراسة عام2016م من جزءين عنوانها: "2023م لن تكون هناك دولة إسمها السعودية"، وفحوى الدراسة أن انهيار السعودية آتِ لا محالة وقد توقّعه الكثير من الخبراء الغربيين خلال عقودِ قادمة، لكن الأسرة المالِكة بتصرّفاتها الصبيانية وسلوكها المُنحَرِف تُسرِّع في عملية الانهيار، وقد رأت الدراسة أن الأمم تنتهي من الداخل إلى الخارج، وتقول: نحن في مركز فيريل للدراسات نتوقّع انهيار المملكة السعودية عام 2023م. تلك الدراسات المُستقبلية تعتمد على مُعطياتٍ حقيقية، فمن المعلوم أن مملكة الرمال قامت على ثلاثة أعمدة مثّلت مثلّثاً متساوي الأضلاع، وكانت سبباً في تماسكها وبقائها قوية طيلة الفترة الماضية هي: تماسُك العائلة الحاكِمة والتحالف والشراكة مع المؤسّسة الدينية الوهّابية وتصدير النفط.

Facebook Comments