عندما نصّب محمد بن سلمان نفسه وليا للعهد، قبل سنوات قليلة، برر انقلابه على ابن عمه وولي العهد وقتها محمد بن نايف بأنه يطمح إلى تطبيق رؤية إصلاحية، زعم أنه يريد أن يقدّم من خلالها المملكة بوجه جديد، وتهافتت صحف الغرب وأمريكا لتلمّع الأمير حديث السن والخبرة.
لمعان لم يدم طويلا حتى أطفأته انتهاكات وحملات اعتقالات، وتوسّع العمليات في اليمن مع جرائم لا تحصى والتسبب في تخريب دولة كاملة وتجويع شعب بأسره، وصولا إلى جريمة أخرى هزّت العالم بأسره؛ بعد قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في قنصلية الرياض بإسطنبول؛ حيث جرى استدراجه وتقطيع أوصاله ثم جرى حرق الجثمان في أفران حتى لا يبقى للجريمة أثر. وبسرعة تحوّل "الأمير الشاب الإصلاحي المحدث" إلى "قاتل مستبد"، بحسب وصف كثير من وسائل الإعلام الغربية، التي تضغط من أجل الإطاحة بابن سلمان بعد توجّه أصابع الاتهام نحوه بشأن تورّطه في الجريمة.
يخاف من الإبرة..!
أطلق الكاتب الفلسطيني، نظام المهداوي، تعليقا ناريا على تلقي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والذي يلقبه رواد مواقع التواصل الاجتماعي بـ “أبو منشار”، لقاح فيروس كورونا المستجد، مذكرا إياه بما فعله بالصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول قبل أكثر من سنتين. ونشر المهداوي، صورة لتلقي ابن سلمان لقاح فيروس كورونا، وعلق عليها قائلا: “تنظر إلى إبرة اللقاح مضطربا خائفا مطمئنا ليس مهم؛ لكن هل تذكرت المنشار الذي قطع جثة مواطنك جمال خاشقجي، أو تذكرت حشرجات صوته وهو يختنق صارخاً: سأموت؟”.

وأضاف المهداوي، في تغريدة رصدتها “الحرية والعدالة”: “الموت نفسه سيلاقيك يوما، فلا سلام عليك وأنت حي، ولا سلام عليك حين تبعث وقد خفت موازينك”.
رواد مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلوا مع تغريدة المهداوي، معتبرين أن "بن سلمان" أكبر مجرم في التاريخ الحديث، ويجب محاسبته على جرائمه وخاصة جريمته بحق اليمن واغتيال الصحفي جمال خاشقجي.
مصلح فاشل!
مجلة السياسة الخارجية الأمريكية "فورين بوليسي" ومقرّها واشنطن، كانت واحدة من وسائل الإعلام التي علّقت آمالا كبيرة على الرجل الذي رأت فيه مُصلحا للمجتمع السعودي المُحافظ أصلا. ففي 2015، اختارت المجلة "بن سلمان" عندما كان وليا لولي العهد وزيرا للدفاع، في قائمة القادة الأكثر تأثيرا في العالم، ضمن قائمتها السنوية لأهم 100 مفكر. وقبل أن تغيّر رأيها، قالت المجلة: إنه "أدى دوراً مؤثرا في المنطقة، وتمكن من إيقاف خصوم المنطقة والسعودية، وأثبت أن الرياض على استعداد للتضحية بالدم والوقوف ضد أي خطر يهدّدها ويهدّد منطقة الشرق الأوسط".
لكن على ما يبدو تبين للمجلة أن ما توقعته لمستقبل المملكة كان غير صحيح، ومن ثم فقد انتقلت من دائرة المديح والثناء على ولي العهد إلى مهاجتمه ووصف إصلاحاته بالفاشلة. ويظهر من مواد صحفية كثيرة نشرتها بين يونيو 2017 ونوفمبر 2018 أنها عدلت عن رأيها، وانتقدت سياسات بن سلمان، خاصة دور السعودية في الحرب باليمن، وحصار قطر، فضلا عن حملة اعتقالات "الريتز كارلتون" وقمع النشطاء، وقتل خاشقجي.
والأخيرة كانت بمنزلة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وحوّلت المجلة بشكل كامل من موقف التأييد لولي العهد السعودي وإصلاحاته المزعومة إلى أداء دور المنتقد والمحذّر من الخطورة التي يحملها بن سلمان. وذكرت المجلة، أن على واشنطن استغلال الفرصة التي أوجدتها قضية اغتيال خاشقجي لزيادة الضغط على الرياض بهدف حملها على إجراء إصلاحات فعلية وليست شكلية.
وأشارت إلى "مقال خاشقجي الذي كتبه قبل اغتياله، وسلّط فيه الضوء على اعتقال 72 مثقفا، متسائلا عما إذا كان بإمكان ذلك تقديم صورة مُقنعة لمجتمع حديث، وفي نهاية المطاف ستؤدّي إلى تقويض إصلاحات بن سلمان، كما قال بمقاله".
وقبلها بشهرين، نصحت "فورين بوليسي" من سمّتهم "الفرحين بعمليات الإصلاح" التي يقودها بن سلمان، بأن "يشعروا بالقلق من فشلها"، وكان الرئيس الأمريكي على رأس من وجَّهت لهم النصيحة. المجلّة تحدّثت عن وجود "إشارات تحذير واضحة لإدارة ترامب عليها أن تأخذها بعين الاعتبار، وأن تتخذ إجراءات أكبر للحدّ من اندفاع محمد بن سلمان".
أكذوبة المستبد المصلح!
وفي مارس 2018، اهتمّت صحيفة "الجارديان" البريطانية بزيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تستغرق 3 أسابيع، وقالت وقتها إنها "حقّقت نتائج إيجابية، وأهمّها إعادة تشكيل صورة الرياض أمام العالم". وتغزّلت الصحيفة آنذاك بأن محمد بن سلمان يسعى إلى زيادة الاهتمام بالاستثمار السياسي والاقتصادي في الرياض. وقبلها بأشهر علّقت على تولي الأمير بن سلمان منصب ولي العهد، واعتبرت أنه "يعطي الأمل في مزيد من الإصلاحات الاجتماعية داخل البلاد"، مشيرة إلى أن "الأمير الشاب يحمل طاقات التغيير في السعودية بشكل رئيسي".

لكن هذا الرأي كغيره من الآراء المُتراجعة، تغيّر أيضا مع ما أحدثه بن سلمان من إجراءات حملت في ظاهرها مصطلح "إصلاحات"، غير أنها باطنيا كانت توحي بعكس ذلك تماما. وفي أقوى تعليق على قتل خاشقجي، فإن الكاتب في الصحيفة، سيمون تيسسدال، قال إن ولي العهد السعودي ظهر بصورة "شبه ديكتاتور"، وإنه "مستبد مخيف". وأكد تيسسدال أن قتل خاشقجي أضر كثيرا بسمعة ولي العهد في الغرب، وهو الذي كان يحرص على أن يظهر بمظهر المصلح الاجتماعي والاقتصادي، وبذل في سبيل ذلك الكثير. وخلاصة القول، فإن معظم وسائل الإعلام الغربية والأمريكية يبدو أنها خُدعت بسياسة بن سلمان، لكن إجراءاته كشفت خططه وأدت إلى تراجع أسهمه في بورصة السياسة الدولية.

Facebook Comments