قلبت تركيا موازين المعادلة في ليبيا تماما، وباتت حكومة الوفاق الشرعية، بفضل دعم تركيا، هي القوة رقم واحد على أرض ليبيا، بعد دحر مليشيات جنرال الإمارات المتمرد خليفة حفتر.
ويؤكد هذا الأمر ما حدث خلال الأيام الأخيرة من لقاء وفد من حكومة السفاح عبد الفتاح السيسي مسؤولين ليبيين تابعين للوفاق، على هامش زيارة إلى العاصمة طرابلس، هي الأولى من نوعها منذ ست سنوات.
وجاءت زيارة وفد السفاح السيسي تزامنا مع زيارة وزير دفاع تركيا خلوصي أكار، إلى طرابلس، وتحذيره في خطابه أمام القوات التركية، قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر وداعميه من عواقب أي محاولة لاستهداف القوات التركية في ليبيا، وذلك بعدما دعا حفتر قواته إلى “حمل السلاح مجددا لطرد المحتل التركي”.

تراجع السيسي
المتحدث باسم وزارة الخارجية الليبية محمد القبلاوي، قال إن “الوفد المصري وعد الجانب الليبي بإعادة عمل السفارة المصرية من داخل العاصمة طرابلس في أقرب الآجال”.
وفي الوقت الذي تمر فيه مصر بأكبر تهديد على مر تاريخها الحديث والقديم وهو سد النهضة الإثيوبي الذي سيؤثر على حصة مصر من المياه ويهدد بتعطيش سكانها، استدعى السفاح السيسي بعض شيوخ القبائل الداعمة لحفتر والتقى بهم في القاهرة يوم 17 يوليو 2020، وهو ما اعتبره البعض طلب تفويض منهم بدخول الحرب في ليبيا.
وفي 19 يوليو 2020، اجتمع مجلس الدفاع الوطني برئاسة السفاح السيسي، مؤكدا أن الأمن الليبي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي، وبعدها بيوم واحد اجتمع مجلس نواب العسكر وفوض السفاح السيسي في إرسال قوات خارج الحدود في الاتجاه الإستراتيجي الغربي.
في المقابل تقف تركيا هناك على أرض صلبة، كون تدخلها جاء بعد اتفاقية عسكرية وقعتها مع حكومة الوفاق الشرعية برئاسة فائز السراج المعترف بها دوليا، وكذلك بتنسيق أمريكي متواصل، ودعم برلمان بلادها، وتأييد شبه دولي.
ان هدف الشعب الليبي من الثورة التي قام بها قبل عشر سنوات ضمن معركة تقرير المصير، هو وضع حد للاستبداد الذي كان بمثابة آخر هدية من قبل أنظمة الاستعمار والاحتلال طيلة قرن من الزمن. أما القذافي الذي حكم البلاد باستبدادية لا ترحم طيلة أربعين عاما، فقد كانت خطاباته تبدو وكأنها وطنية بامتياز، وأفعاله من الغرابة بمكان.
ولا شك أن تلك الأفعال والخطابات كانت تدغدغ مشاعر شعبه بل عموم الشعوب العربية كذلك، لا سيما في بداية الأمر، حيث كانت تشعر بنوع من الانتصار الذاتي أمام ما خلفته فيهم سنوات الاستعمار العجاف. تماما حينما قام القذافي بنصب خيمته في حديقة فندق ماريني بفرنسا خلال زيارته إلى هناك، وأصر على عقد لقاءاته الرسمية في الخيمة، حيث أعطى ذلك شعورا، وإن كان مزيفا، من النظرة من الأعلى إزاء الغرب في الظاهر.
إلا أن تكاليف هذا المشهد كان مكلفا للغاية، فسرعان ما اتضحت الصورة بشكل أكبر وتحول الحديث نحو الحجم الهائل للمشتريات من فرنسا، والأموال الليبية المغدقة كالنهر الذي لا ينضب ماؤه على فرنسا، مما أفرز حالة من الإحراج لدى الرأي العام العربي، وبات لا يشك بأنّ ما جرى مجرد مسرحية. ولم تكن مظاهر الغطرسة هذه إزاء الغربيين، سوى تمثيلية استعراضية باهتة، تُخفي تحت أقنعتها استعمارا أشد غلاظة وإثما.

احتلال بالريموت
وفي المقابل كانت اعتراضات اليسار الفرنسي وكل شرائح المعارضة على ما وصفته بالإذلال جرّاء فعل القذافي، لا تحمل أيّ معنى ذي أهمية. حيث أن الاستعمار الفرنسي كان يركز على مكاسبه بالدرجة الأولى، ولم تكن لديه مشكلة من صدور هذا النوع من الممارسات والخطابات ما دام قد أحكم استعماره على اقتصاد البلاد.
إلى أن جاء الربيع العربي، فأعطى فرصة للشعب الليبي للتخلص من هذا التناقض التعيس، والدفاع عن الوطن والكرامة أمام هذا النوع المنافق ذي الوجهين من الاستبداد. ولا شك أن الشعب الليبي لم يفوّت هذه الفرصة فقرّر خوض ثورته.
واليوم نجد أن حفتر الذي ما هو سوى انعكاس لنظام القذافي، لكن بطريقة أشد قسوة ودناءة في الاعتماد على المستعمرين وتمويلهم؛ يحاول إعادة ترميم ما بقي من ذلك النظام، ويتهم تركيا التي لم تأت إلا بدعوة من الشعب الليبي ذاته، بأنها دولة استعمارية.
خرج حفتر في الذكرى الـ69 لاستقلال ليبيا، في مراسم ضمن ما يُسمّى القيادة العامة في بنغازي، دون ذرة من الحياء والخجل، متناسيا أنه قبل بضعة شهور فقط قد فرّ متخاذلا أمام تقدّم قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا، وراح يتهم تركيا ويتطاول عليها بالقول؛ "لا قيمة للاستقلال ولا معنى للحرية طالما أنّ أرضنا الطاهرة يلوثها الجيش التركي، كما لن يكون هناك أمن وسلام. ولا خيار أمام العدو المحتل إلا أن يغادر سلما وطوعا أو بقوة السلاح والإرادة القوية".
إن الجيش التركي لم يكن يوما على الإطلاق ليلوث تراب ليبيا الطاهر، بل إنه هناك يواجه عميلا يريد تسليم بلاده للمحتلين، هذا العميل هو حفتر.

Facebook Comments