تواصل إثيوبيا تنفيذ خطتها الرامية إلى السيطرة على مياه النيل وحرمان دولتى المصب مصر والسودان من حقوقهما التاريخية فى مياه النهر، ومع فشل مفاوضات سد النهضة وانحياز قائد الانقلاب الدموى عبدالفتاح السيسي إلى جانب أديس أبابا وخيانته لبلاده منذ توقيعه ما يعرف باتفاق المبادئ عام 2015 والذى منح الإثيوبيين شرعية وقانونية إنشاء السد، وبالتالى الحصول على تمويل دولى لأعمال البناء؛ تتصرف إثيوبيا بطريقة فردية دون اعتبار لنظام الطاغية عبدالفتاح السيسي ولا السودان، وتعرقل أى مفاوضات، وترفض التوقيع على اتفاق ملزم لتشغيل السد وإدارته، بل وأعلنت أنها ستبدأ المرحلة الثانية لملء خزانات السد فى يونيو المقبل.
خبراء مياه حذروا من أن أثيوبيا تسعى للتحكم فى مياه النيل وفرض هيمنتها على دول الحوض؛ وهو ما سينعكس على الشعب المصرى بالحرمان من المياه وتبوير ملايين الأفدنة الزراعية ما يهدد بمجاعة غير مسبوقة.
هيمنة مائية
من جانبه، حذر موقع ناشونال إنترست (National Interest) من أن إثيوبيا تعمل على فرض هيمنة مائية في المنطقة ليس على مصر والسودان فقط، بل على كينيا والصومال أيضا، مشيرا إلى أن إثيوبيا تتصرف بنمط بما يشبه القوة الاستعمارية. ووصف الموقع فى مقال للكاتب مايكل روبين، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأنه طاغية حان الوقت لكل دول العالم معاملته وفقا لذلك.
وأشار إلى أن الحكومة الإثيوبية تصرفت بشكل أحادي في بنائها سد النهضة من أجل خلق أمر واقع، وأن تصرفها هذا أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء مع جيرانها، إذ أصبحت إجراءاتها تهدد بشكل منهجي سبل العيش والاستقرار في مصر والسودان والصومال وكينيا.
وأوضح "ناشونال إنترست" أن الدول الإقليمية لا تعارض حق إثيوبيا في تطوير الطاقة الكهرومائية، بل تطلب أن يكون ذلك وفقا لمبادئ القانون الدولي فقط. وأكد انه بموجب هذا القانون ، فإن الدول التي تخطط لإنشاء سدود أو تحويلات على الأنهار التي تعبر الحدود الدولية عليها إخطار الدول التي تشاركها النهر بمشاريعها المخطط لها والتشاور معها فيما يتعلق بمواصفات التصميم.
ولفت ناشونال إنترست إلى أن إثيوبيا ترفض التفاوض بحسن نية، وتواصل بناء سد لا يهدف إلى تعظيم الكفاءة ولا معالجة مخاوف دول المصب، محذرا من أن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب يمكن، أن يؤثر على 98% من المصريين وأن ذلك قد يدفع لإشعال حرب فى المنطقة.
موقف السودان
السودان من جانبه أعرب عن رفضه للتعنت الإثيوبى، وطالب أديس أبابا بالتوقيع على اتفاق ملزم لتشغيل السد وإدارته، وأكد أنه لن يدخل أى مفاوضات جديدة إلا بعد توقيع إثيوبيا على هذا الاتفاق. واتهم عمر قمر الدين، وزير الخارجية السوداني المكلف، إثيوبيا بالعمل على إدخال اتفاقية تقاسم المياه في مفاوضات ملء وتشغيل سد النهضة، مشددا على أن هذا العمل سيدخل المفاوضات في متاهة.
وألمح قمر الدين إلى أن تدويل قضية سدّ النهضة سيكون الحل الأخير لحكومة بلاده، في حال لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق ملزم وعادل بشأن ملء وتشغيل السد. وشدد على أن حل تلك القضية يجب أن يكون عبر التفاوض، رافضا أي اتجاه لاستخدام القوة كخيار للتعامل مع هذا الملف.
وقال ياسر عباس، وزير الري السوداني، إن استمرار مفاوضات سد النهضة بالطريقة والمنهجية المتبعة في الجولات السابقة، أدى إلى تراجع كل من إثيوبيا ومصر عن مواقفهما المعلنة. وأشار عباس إلى أن المفاوضات شهدت تعقيدات جوهرية من الجانب الإثيوبى في جولات التفاوض السابقة؛ ولذلك كان الموقف السودانى بالانسحاب منها وعدم دخول جولة جديدة إلا بعد توقيع إثيوبيا على اتفاق ملزم.
السيسي يفرط فى أمن مصر القومى
أما عن نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبد الفتاح السيسي، فهو يتجاهل قضية سد النهضة وكأنها لا تخصه ولا تهدد الأمن القومى المصري، وينتظر أى دعوة من جانب إثيوبيا للدخول فى مفاوضات جديدة رغم علمه مسبقا أنها سوف تنتهى بالفشل. ويرى بعض المراقبين أن السيسي استسلم لعيال زايد فى الإمارات ولولى العهد المنشار محمد بن سلمان فى السعودية، وهاتان الدولتان تدعمان إثيوبيا ولهما استثمارات بالمليارات فى سد النهضة وغيره من المشروعات الإثيوبية؛ ما يعنى أن مصر ستفقد حقوقها التاريخية فى مياه نهر النيل.
حول هذه القضية، حذرت روضة علي عبد الغفار، صحفية متخصصة في الشأن الأفريقي، من أن تناقض المصالح بين مصر وعيال زايد فى الإمارات يفرض واقعا سياسيا لا يخفى على أحد، وهو أن موازين القوى تغيرت في المنطقة الأفريقية والعربية، حيث أصبح لدول أخرى وزنها الإقليمي والدولي على حساب دولة العسكر. وشددت روضة فى تصريحات صحفية، على أنه اذا لم يدرك نظام الانقلاب عوامل قوة مصر ووزنها الإستراتيجي في المنطقة، فإن الميزان بطبيعة الحال سيُرجح الجانب الأقوى.
لعبة المصالح

وقالت إن الإمارات لا تستهدف مصر بشكل مباشر وإنما هي لعبة المصالح، وإن كان ذلك على حساب حلفائها، مشيرة إلى أن الاضطرابات الراهنة بمصر، وانشغال الجيش بالتحولات السياسية، أدى إلى تراجع الدور المصري أفريقيا ودوليا، وهي أمور جعلت نظام الانقلاب يتعثر في إدارة عدة ملفات، منها سد النهضة وضعف التأثير على حلفائه.
وكشفت روضة أن الإمارات سعت في الفترة الأخيرة لكسب إثيوبيا كحليف إستراتيجي في القرن الأفريقي، سواء بدعم اقتصادي أو عسكري أو سياسي، مشيرة الى أن الدور الإماراتي في القرن الأفريقي، يأتي تحت ذريعة القضاء على الحوثيين في اليمن، لكنه تسارع نحو ترسيخ أقدام أبو ظبي في المنطقة للسيطرة على طرق الملاحة في مضيق باب المندب القريب من ميناء عصب الإريتري، بدعوى مواجهة النفوذ التركي بالمنطقة. وأوضحت أن القرن الأفريقي منطقة تحمل الكثير من الفرص الواعدة وعوامل القوة التي تجعلها أرضا خصبة لاستثمارات عيال زايد، مشيرة إلى أن تلك الفرص جعلت الإمارات لا تتأخر عن دعم مشروع ضخم كمشروع سد النهضة، ولكسب إثيوبيا كحليف قوي سيثَبّت أقدامها، ليس في المنطقة فقط، وإنما في أفريقيا بالكامل .

Facebook Comments