يعتبر فيلم "البريء" الذي جرى عرضه لأول مرة في أغسطس 1986م، من أروع ما قدمته السينما المصرية على الإطلاق، فهو من الأفلام العالمية بحق ولو كان بيدي لمنحت الفنان الراحل القدير أحمد زكي جائزة أوسكار لأحسن ممثل، ومنحت كاتب السيناريست وحيد حامد، أوسكار أحسن سيناريو، وعاطف الطيب جائزة أحسن مخرج، على هذه اللوحة الفنية الرائعة التي انحازت للإنسان وعبرت عن مدى وحشية وإجرام النظم العسكرية القمعية.
سعى الفيلم للتأكيد على مفهوم الحرية بصفة عامة، حرية التعبير ممثلة بالكاتب رشاد عويس (صلاح قابيل)، والحرية الشخصية متجذرة بالدكتور علي خليفة عالم الجيولوجيا (جميل راتب) الذي تم إجبار زوجته صغيرة السن على طلب الطلاق منه ومعايرته بذلك، وحتى حق المحاكمة العادلة للفنان أحمد راتب المتحرش الذي شارك بمظاهرة نسائية، فقبض عليه بتهمة الانضمام لحركات شيوعية.
كان مدير المعتقل العقيد توفيق شركس، ضابط الجيش الذي لعب دوره الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، مثالا للمريض النفسي السادي الذي يتلذذ بالتعذيب البدني والنفسي، يسحل عالم الجيولوجيا لمجرد مجادلته، لكنه رقيق بحياته الخاصة ويعشق ابنته ويقوم بدور الساحر بحفل عيد ميلاد صديقتها، ويعامل عسكري مرور باحترام، وضعيف في مواجهة زوجته التي تغادر المنزل باستمرار تاركة طفلتهما بمفردها.
الفيلم تدور أحداثه في سجن عسكري، لأن قائد السجن "العقيد توفيق شركس" كان يرتدي زيا عسكريا وكذلك الجنود كانوا يرتدون ملابس الجيش "الزيتي والمموه" وليست ملابس الداخلية "السوداء"، لكن بعض كتابات إعلام السلطة تحاول صرف النظر عن الحقيقة والزعم بأن الأحداث كان تدور في سجن تابع للداخلية أو أحد معسكرت الأمن المركزي الذي تأسس في عهد وزير الداخلية الأسبق النبوي إسماعيل (1977 ـ 1982م). لكن هذا المعسكر كان يتم انتقاء عناصره من المجندين بذات الآلية التي يتم بها انتقاء عناصر الأمن المركزي حيث يفضل النظام أن يكونوا أميين غير متعلمين، من قرى وكفور بعيدة، ليس لديهم أي فهم أو ثقافة حتى يسهل انقيادهم والتحكم فيهم. يبرهن على ذلك مشهد سبع الليل عندما أمره الضابط فهيم (حسن حسني) بصفع زميله المجند فصفعه على الفور دون تردد، ولما سأله الضابط: "انت ضربته ليه؟"، ليرد: حضرتك أمرت وأنا لازم أنفذ يا أفندم حتى لو كان غلط!
سبع الليل

هكذا كان "أحمد سبع الليل" الذي قام بدوره الفنان القدير أحمد زكي، والذين كان لا يعرف سوى أرضه التي يرجو أن يكون حصادها كثيرا، وجاموسته التي يرجو أن يكون حليبها وفيرا، وحماره الذي يرجو أن يكون قويا ليتحمل الشدائد والأحمال الثقال. وفجأة جرى ربطه مع عدد من شباب القرية بحبل وسحبهم كالعبيد إلى التجنيد.
هناك في معسكر التجنيد يتعرض هؤلاء الجنود إلى عمليات غسيل مخ، ويجري بحقهم أبشع عمليات التزييف ليتحولوا إلى أدوات في يد الطغيان يقمع بهم الشعب الطامح للحرية و الاستقلال. فالمعتقلون السياسيون من أساتذة الجامعات والعلماء والأطباء والدعاة إلى الله ما هم إلا «أعداء الوطن»، ولذلك لم يجد سبع الليل في نفسه شفقة ولا رحمة بهم؛ فرغم الظلم الواقع عليهم وإذلالهم وإلقاء فتات الخبز لهم وهم مقيدون، لكنه يستكثر عليهم ذلك؛ فإذا كانوا أعداء الوطن؛ فلماذا لا يتم قتلهم والتخلص منهم وفك هذا المعسكر كله وعودة المجندين إلى أرضهم التي بارت ليزرعوها؟!
يحظى "سبع الليل" بترقية جراء دوره في قتل المفكر والكاتب "رشاد عويس" الذي قام ببطولته الفنان "صلاح قابيل"، وكان آخر كلمه قالها عويس لسبع الليلك (إنت حمار مش فاهم حاجة)، ليحصل على إجازة 10 أيام يراعي فيها أرضه التي بارت لعدم قدرة أمه "ستيتة" على رعايتها، ورعاية أخيه المريض عقليا "عبدالصبور".
يتسبب مقتل الكاتب "رشاد عويس" في فضيحة للنظام، ليتم إرسال لجنة من ممثلين حقوقيين للتحقيق في الأمر؛ وعلى الفور يتم تغيير كل شيء، فيتم إخفاء المعتقلين المزعجين، والإبقاء على من يمكن السيطرة عليهم، وتتغير الوجبة من رغيف حاف إلى وجبة من أرز ولحم وخضار، ويتم فتح المكتبة لأول مرة في مسرحية محبوكة كما تفعل حكومات العسكر باستمرار لتبييض صفحتها السوداء في مجال التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان.
على لسان حسين وهدان (الفنان الراحل ممدوح عبدالعليم) صديق المجند أحمد سبع الليل، يقصف وحيد حامد جبهة النظم العسكرية، ليقف هاتفا في زملائه بخطبة حماسية يقول فيها “لما يكون الحرامية والقوادين وفتيات الليل أحرارا.. لما التفكير في بلد يبقى تهمة.. لما كلمة (لا) تبقى ممنوعة.. لما الرد على الكلمة يبقى الكي بالنار.. لما الجهل يحكم.. والفكر يتعذب ويتهان.. لازم البني آدمين تموت من الحسرة والحزن”.

أعداء الوطن

كان لابد لسبع الليل من صدمة حتى يفيق من أكاذيب العسكر، وبينما كان يضرب بحماسة في حفنة جديدة من المعتقلين السياسييين "أعداء الوطن" يفاجأ بصاحبه وابن قريته حسين وهدان ، فيقف مصدوما، ويصيح في الجميع: "وقف يا جدع أنت وهو.. حسين ابن أبويا الحاج وهدان مش من أعداء الوطن… أعداء الوطن إيه؟ دا هو اللي علمني ونورني". لكن قائد السجن "توفيق شركس" يأمره بضرب ابن قريته فيرفض ويتلقى عنه ضربات كرباح الضابط العسكري. ويودعان في زنزانة، وهناك يجري أروع حوار بين حسين وهدان وأحمد سبع الليل.. ضحكوا عليك يا سبع الليل وقالولك إننا أعداء الوطن.. ليسفهم سبع الليل: لما أنتو مش أعداء الوطن، إيه اللي جابكم هنا؟! ليرد عليه: جينا هنا لأننا فهمنا!! فمن يفهمون في هذا الوطن هم من يودعون في السجون والمعتقلات، أما اللصوص والقوادين والفسدة فينعمون بكل حرية. ثم يمضي الحوار على لسان حسين وهدان: “وطنك يعني بلدك.. عدوه غير شكلك.. كلامه غير كلامك، بيرطن بلغة ما تعرفهاش.. عدوك عايز يسرقك وينهبك.. يفرح إذا بكيت.. ويشبع لما تجوع.. كل اللي هنا أهلك وناسك”. وللضغط عليه يضع قائد السجن العسكري عدة ثعابين سامة ليتعرض الشاب المثقف "حسين وهدان" للقتل بعد إنقاذ سبع الليل من ثعبان كاد يلدغه.
المشهد الأبرز في الفيلم جرى حذفه بأوامر من سلطات العسكر، فعندما يأتي فوج جديد من "أعداء الوطن!" يرفع سبع الليل سلاحه ليقتل كل الجلادين.. القائد العسكري الظالم، وضباطه وجنوده الجهلة الذين لا يحرسون الوطن بقدر ما يحمون نظاما قمعيا هو العدود الحقيقي لهذا الوطن وشعبه وناسه وحضارته ومقدساته. ويمسك سبع الليل بالناي ليعزف لحنا حزينا على وطن يضيع بسبب أطماع جنرالات العسكر في الحكم والسلطة والنفوذ، فتصيبه رصاصة أحد الجنود في دلالة على أن مصر تحولت إلى ساحة صراع بفعل الظلم والطغيان.
تمجيد الطاغية "شركس"!

المؤسف في كل هذا أن كاتب هذه التحفة الرائعة أنهى حياته يمجد في الطاغية "توفيق شركس" وتخلى عن عشرات الآلاف من أمثال حسين وهدان وأحمد سبع الليل، انتهى به المطاف حتى رحيله قبل أيام في أحضان السلطة القمعية التي انتقدها من قبل، رحل وقد تخلى عن البريء بل حرض على مئات الآلاف من الأبرياء الذين يريدون لهذا الوطن أن يكون حرا ومستقلا وعظيما.
فعندما قامت ثورة يناير، أظهر وحيد حامد مساندته لها، لكن مع إجهاض الثورة ونجاح الانقلاب عليها منتصف 2013، تراجع عن تلك التصريحات مدعيا أن "25 يناير عيد الشرطة… وثورة يناير انتهت"، و"ساندت ثورة 30 يونيو رفضا لفكرة وجود الإخوان في الحكم"، و"6 إبريل والاشتراكيون الثوريون جزء من مؤامرة لاختراق الثورة"، و"إيقاف بث قناة الجزيرة مباشر مصر يعتبر مهما لصالح مصر وأمنها القومي". أما عن موقفه من انقلاب 2013، فزعم أن الرئيس الشهيد محمد مرسي "رجل أمريكا، وهم جاؤوا به لكي يتمكنوا من تحريكه في أي اتجاه يريدونه". أما عن السيسي فرأى حامد أنه "صبور جدا ويناقش القضايا بتلقائية وصدق شديد"، وأن "السيسي لا يضيق صدره بأي شيء، ووضع يده على الجراح الموجودة في البلد"، إلى أن قال: "أنا مطمئن للحالة الديمقراطية الموجودة في البلد"!

 رحل وحيد حامد بعد أن أطلق آلاف الرصاصات على حسين وهدان وأحمد سبع الليل، فقتلهم ألف مرة بقدر ما حرض كل الأبرياء الذين وقفوا ضد الظلم والطغيان.

Facebook Comments