منذ الانقلاب الذي شهدته مصر عام 2013 يعاني المصريون من الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات لدرجة أن الكثيرين أصبحوا عاجزين عن تلبية الحاجات اليومية الضرورية لأسرهم خاصة في ظل تزايد معدلات البطالة وتسريح العمالة والتداعيات السلبية لجائحة فيروس كورونا وتفشي الفقر؛ حيث يعيش أكثر من 60 % من المصريين تحت خط الفقر بحسب بيانات البنك الدولي.
ارتفاع الأسعار يجانب أنه يكشف الفشل الاقتصادي لعصابة العسكر فإنه يشير أيضا إلى بعد سياسي؛ حيث يرى البعض تعمد العسكر رفع الأسعار لشغل المصريين بحياتهم الخاصة وعدم التفكير في الثورة على النظام المستبد. وما يؤكد هذا التوجه الانقلابي قرار حكومة الانقلاب حظر استيراد أي مواد غذائية دون موافقة هيئة سلامة الغذاء، الأمر الذي يهدد بمزيد من ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق.
هذا القرار يفرض على المستوردين دفع رسوم إضافية إلى جانب التعريفة الجمركية، وضريبة القيمة المضافة، ورسوم الاستيراد وهذا كله سيتحمله المستهلك فى النهاية من خلال رفع أسعار السلع والمواد الغذائية؛ نتيجة تحميلها بأعباء مالية جديدة من جهة، وعرقلة عملية الاستيراد من جهة أخرى، ما ينذر بحدوث ارتباك في الأسواق.
في هذا السياق حذر خبراء الاقتصاد من أي ارتفاع جديد في أسعار المواد الغذائية مؤكدين أن ذلك سيرفع معدلات التضخم ويضعف القوة الشرائية للمواطنين. وأشاروا إلى أن صندوق النقد الدولي توقّع ارتفاع معدلات التضخم في مصر إلى نحو 6.3% في السنة المالية الحالية، مقارنة بـ 5.7% في السنة المالية الماضية، على أن يواصل الصعود مُسجلا 7.5% في السنوات المالية المقبلة. 

تكلفة إضافية

من جانبه انتقد أحمد شيحة رئيس شعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، ، القرار محذرا من أنه معرقل ومعطل ومانع للاستيراد والهدف منه تحصيل مبالغ مالية، ولكنها ستكون تكلفة إضافية على المواد الغذائية، إضافة إلى الإجراءات التي ستعرقل عملية الاستيراد.
وقال "شيحة"، في تصريحات صحفية، إن القرار الجديد لن يضيف جديدا في ظل وجود هيئات أخرى تقوم بالرقابة على المواد الغذائية المستوردة، موضحا أنه عند استيراد أي مواد غذائية هناك اشتراطات دولية وعالمية من منظمة الصحة العالمية وهيئة الفاو، وفي حال وجود أي مشكلة لدى أي بلد لا يسمح بالاستيراد منها . 
وأضاف أن المصنع أو الشركة المصدرة لابد أن تكون حاصلة على جميع الاشتراطات والمواصفات الصحية والغذائية والبيئية للسماح لها بالتصدير، ولا بد أن يستوفي المصدر هذه الشروط، موضحا أنه في مصر تدخل الشحنة إلى معامل الصادرات والواردات الصحية والزراعية وغيرها لفحصها وتحصيل رسوم عليها، ولا يفرج عنها إلا إذا كانت مطابقة للمواصفات .
وتساءل شيحة: ما معنى الحصول على موافقة من هيئة السلامة والغذاء قبل أن نقوم باستيراد المنتج من بلد ما وفحصه ؟ مشيرا إلى أن القرار يؤثر بدرجة أكبر على المستوردين الصغار، ما يدفع الكثيرين منهم إلى العزوف عن الاستيراد والتوقف نهائيا، كما حدث بعد قرار 43 لضبط الاستيراد الذي قلص عددهم بشكل كبير.

التأثير على الاستيراد

وقال عماد عابدين سكرتير شعبة البقالة بالاتحاد العام للغرف التجارية إن سوق السلع الغذائية يعتمد بشكل كبير على الاستيراد موضحا أننا نستورد أكثر من 60% من المواد الغذائية التى يحتاجها المصريون وبالتالي ارتفاع أسعار الدولار أو فرض رسوم وضرائب على المستوردين يؤثر بشكل كبير على أسعار السلع الغذائية بالأسواق.
وأكد عابدين، في تصريحات صحفية، أن أسعار السلع لن تنخفض إلا إذا تم الاعتماد بشكل حقيقي على المنتج المصري وزيادة نسبة الإنتاج في التصنيع والزراعة. وأشار إلى تجربة سلطنة عمان قائلا: «عمان أغلقت باب الاستيراد منذ خمس سنوات واعتمدت على منتجاتها المحلية وأصبحت الآن تصدر للدول بعد أن غطت السوق المحلي من إنتاجها».

القوة الشرائية

وكشف أبو ماجد إبراهيم تاجر مواد غذائية بمحافظة الجيزة أن هناك زيادات أسعار بالفعل في بعض السلع مثل الزيوت والسمنة والمواد الغذائية منذ بداية العام، وأن أي قرار يتعلق بفرض رسوم جديدة على استيراد المواد الغذائية سوف يرفع أسعارها.
وأكد  إبراهيم، فى تصريحات صحفية، أن المستهلك هو من يتحمل أي زيادة في أسعار السلع في نهاية المطاف سواء كانت محلية أو مستوردة؛ لأنه الجهة الأخيرة المستفيدة بالسلعة بشكل نهائي، محذرا من أنه  كلما زادت الأسعار تراجعت القوة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل جائحة كورونا.
كما حذر من أن اختفاء المستوردين الصغار يجعلنا تحت رحمة المستوردين الكبار، الذين يتجهون لفرض أسعارهم وشروطهم، موضخا  أن المستوردين الصغار يسعون إلى تحقيق مكاسب ليس مبالغا فيها من أجل الاستمرار في العمل.

سطو مسلح

وأوضحت الباحثة الاجتماعية د. حلا أحمد أن ارتفاع الأسعار أصبح ظاهرة مركبة متعددة الأوجه، تتحدد ملامحها في عجز فئة كبيرة من الناس عن تحقيق المستويات الدنيا من الحاجات الأساسية كالرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية بالإضافة إلى عجز القدرات المختلفة للمشاركة في عمليات التنمية وجني ثمارها.
وقالت د. حلا فى تصريحات صحفية إن البطالة والفقر والفساد وتلون الفكر والهوية وغيرها من المظاهر من أهم أمراض هذا الزمن، وأصبحت كل الجهات المختصة الأكاديمية والإعلامية والخبراء معنيين بضرورة الاهتمام بمعالجة تلك المشكلات ورصد التداعيات الناتجة عن الظاهرة محذرة من أن الأزمات الاقتصادية لها عواقب وخيمة في المجتمع.  
وأشارت إلى أن ارتفاع الأسعار ترافقت معه زيادة في عمليات السطو المسلح على البنوك وتزايد عمليات السرقة والتسول والعنف والقتل لسداد الالتزامات المختلفة، لافتة إلى أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية سجل 24 ألف حالة طلاق خلال الأشهر الخمسة الأخيرة في المحافظات، بخلاف حالات الطلاق الناتجة عن الزواج العرفي التي رصدت ما يعادل 4800 حالة شهريا و160 حالة يوميا، وأكد المركز أن الصعوبات المعيشية التي تمر بها البلاد والناتجة عما يسميه الانقلاب بالإصلاح الاقتصادي تقف وراء ارتفاع حالات الطلاق وتزايد حالات التفكك الأسري وأطفال الشوارع، كما أشار المركز إلى تزايد حالات الانتحار بين الأزواج والزوجات فضلا عن تفاقم المشكلات الزوجية والتي تُفضى إلى القتل بين الزوجين هروبا من تحمل المسؤولية؛ إذ وصل عدد المطلقات في مصر إلى نحو 3 ملايين مطلقة تزدحم بهن في الوقت الحالي محاكم الأسرة، وبالإضافة إلى تنامي ظاهرة العنوسة والزواج السري والعرفي والشذوذ الجنسي والإدمان.
وأكدت د. حلا  أن جرائم القتل العائلي في مصر تمثل من ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل ومن أهم أسبابها الفقر والبطالة، معربة عن أسفها لأن هذه الظاهرة الغريبة والصادمة لمجتمعنا انتشرت بشكل مخيف كأب يذبح أبناءه وآخر يقتل زوجته ويقضى على أسرته بالكامل نتيجة غلاء المعيشة.

 

Facebook Comments