رفعت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الجمعة 26 فبراير 2021م، السرية عن تقرير المخابرات الأمريكية "سي آي إيه" حول جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية في أكتوبر 2018م على يد مجموعة الموت التي يشرف عليها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

الملاحظة الأولى أن هذا التقرير يكتسب أهميته لأن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كان قد قرر عدم نشره من أجل حماية ولي العهد السعودي من الملاحقات الدولية والحيلولة دون محاكمته دوليا على هذه الجريمة الوحشية، وكذلك الحيلولة دون فرض عقوبات أمريكية على حكومة الرياض. رغم أن الأجهزة الأمنية التركية لم تترك لأحد شكا في تورط النظام السعودي في الجريمة وقدمت كافة الأدلة والتفاصيل التي تؤكد ذلك.

الملاحظة الثانية، أن التقرير يؤكد ضلوع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جريمة قتل خاشقجي، والتأكيد على أن هذه الجريمة الوحشية ما كان لها أن تتم دون موافقة ولي العهد محمد بن سلمان، وبحسب ما ورد في التقرير فإن "بن سلمان" أقرّ تنفيذ عملية في إسطنبول لإلقاء القبض على الصحافي السعودي جمال خاشقجي، أو لقتله".
واستدل التقرير على هذه الخلاصة الأهم بخمسة أدلة:
أولا، إمساك ولي العهد بعملية اتخاذ القرار في المملكة، والانخراط المباشر لمستشار رئيسي لبن سلمان ولعناصر من الفريق الأمني (لولي العهد) في العملية، وبناءً على دعم ولي العهد استخدام أساليب عنفية لإسكات المنشقين خارج المملكة، ومن ضمنهم خاشقجي". ويؤكد تقييم المخابرات الأميركية أن ولي العهد يمسك بزمام الأمور في المملكة منذ 2017م ويتمتع بسلطة مطلقة على مؤسساتها الأمنية والاستخبارية، ما يجعل من غير المرجّح أن يكون مسؤولون سعوديون قد اضطلعوا بعملية من هذا النوع دون مصادقة ولي العهد".
ثانيا، بحسب التقرير فإن الفترة التي ناهزت مقتل خاشقجي فإن بن سلمان كان قد "أسس لبيئة كان فيها مساعدوه يخشون من أن يؤدي الفشل في إتمام المهام الموكلة إليهم إلى إقالتهم أو اعتقالهم". ورأت الاستخبارات الأمريكية في ذلك مؤشّرا إلى أنه "من غير المرجّح أن يستفسر المساعدون عن أوامر بن سلمان، أو أن يقترفوا أفعالًا حساسة من دون موافقته".
ثالثا، يؤكد التقرير أن فريق الاغتيال المكون من 15 شخصا والذي وصل إلى إسطنبول في الثاني من أكتوبر2018، شمل مسؤولين رسميين عملوا مع "المركز السعودي للدراسات وللشؤون الإعلامية" التابع للقصر الملكي. وفي توقيت عملية القتل كان المركز المذكور يديره مستشار الديوان الملكي الذي أقيل على إثر القضية سعود القحطاني، والمعروف بصلته الوثيقة ببن سلمان. واستذكر التقرير تغريدة سابقة للقحطاني منتصف عام 2018 أكد فيها أنه لا يتخذ قرارات من دون نيل موافقة ولي العهد. يشار إلى أن القضاء السعودي برّأ القحطاني لاحقاً في القضية.
رابعا، ما يؤكد ضلوغ ولي العهد في الجريمة يشير التقرير إلى أن فريق الاغتيال السعودي ضم سبعة عناصر من نخبة جهاز الحماية الشخصية لمحمد بن سلمان، المعروف بـ"فريق التدخل السريع". ويؤكد التقرير أن "هذا الفريق تابع للحرس الملكي السعودي ومهمته تأمين الحماية لولي العهد، ولا يأتمر إلا من ولي العهد شخصيا، وسبق له أن شارك سابقا مباشرة في عمليات قمع لمنشقين داخل المملكة وخارجها بتعليمات من ولي العهد". ثم خلص إلى القول: "تقديرنا يفيد بأن عناصر فريق التدخل السريع ما كانوا ليشاركوا في أي عملية ضد خاشقجي من دون موافقة محمد بن سلمان".
خامسا، أشار التقرير إلى أن ولي العهد كان يعتبر خاشقجي بمثابة تهديد للمملكة، وأيّد، على نطاق واسع، استخدام أدوات العنف في حال كانت ضرورية لإسكات خاشقجي". وأدرج التقرير أسماء 21 شخصا لدى الاستخبارات الأميركية "ثقة كبيرة" بأنهم "شاركوا، أو أمروا، أو كانوا متواطئين بأي طريقة أو مسؤولين عن مقتل جمال خاشقجي نيابة عن محمد بن سلمان"، إلا أن الاستخبارات، بحسب التقرير، لم تكن تعرف على وجه الدقة ما إذا كان هؤلاء الأفراد على علم مسبق بأن العملية سينتج عنها قتل خاشقجي. وتشمل الأسماء كلّاً من: سعود القحطاني، ماهر المطرب، نايف العريفي، محمد الزهراني، منصور أبا حسين، بدر العتيبة، عبد العزيز الهوساوي، وليد عبد الله الشهري، خالد العتيبة، ثائر الحربي، فهد  البلوي، مشعل البستاني، تركي الشهري، مصطفى المدني، سيف سعد، أحمد زايد عسيري، عبد الله محمد الهويريني، ياسر خالد السالم، إبراهيم السليم، صلاح الطبيقي، محمد العتيبة.

الملاحظة الثالثة، أن الإدارة الأمريكية بالتوازي مع نشر التقرير فرضت عقوبات على 76 سعوديا؛ حيث هاتف وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، وشدّد على مسألة احترام حقوق الإنسان، وفق ما أوردت الخارجية في بيان عقب الاتصال. وأضاف البيان أن الوزيرين بحثا كذلك "الجهود المشتركة لتعزيز الدفاعات السعودية". وفي أعقاب ذلك، أعلن بلينكن عن عقوبات طاولت 76 سعوديّا متورّطين في ملاحقة الناشطين والمعارضين في الخارج، وتمثلت في فرض قيود على تأشيرات دخولهم. ووضع بلينكن تلك العقوبات تحت عنوان "حظر خاشقجي"، مؤكداً أن بلاده لن تتهاون مع تهديدات واعتداءات السعودية على الناشطين المعارضين والصحافيين.

الملاحظة الرابعة هي إصرار الحكومة السعودية على الكذب، ورغم أن حكومة «بلاد الحرمين الشريفين» تعلم أنها متورطة في الجريمة وتعلم أن العالم كله يعرف ذلك إلا أنها تصر على الكذب؛ وبدلا من الإقرار بالجريمة وتقديم الجناة للعدالة كأي دولة محترمة، إلا أن ذلك بعيد المنال لأن بلاد الحرمين محتلة من جانب قبيلة "آل سعود" التي اغتصبت الحكم بقوة السلاح قبل عقود وأسست لنظام ملك عضود يقوم على وراثة الحكم وهو نظام يخالف الإسلام الذي يأمر بالشورى؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك لأحد أقاربه حكم المسلمين، والخلفاء الراشدون من بعده لم يورثوا الحكم لأولادهم، حتى جاء بنو أمية وكرسوا هذه البدعة وتلك الضلالة. ونشرت وزارة الخارجية السعودية بيانا تؤكد فيه أن "حكومة المملكة ترفض رفضا قاطعا ما ورد في التقرير من استنتاجات مسيئة وغير صحيحة عن قيادة المملكة ولايمكن قبولها بأي حال من الأحوال، كما أن التقرير تضمن جملة من المعلومات والاستنتاجات الأخرى غير الصحيحة". وتابعت الوزارة: "إنه لمن المؤسف حقاً أن يصدر مثل هذا التقرير وما تضمنه من استنتاجات خاطئة وغير مبررة، في وقت أدانت فيه المملكة هذه الجريمة البشعة واتخذت قيادتها الخطوات اللازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحادثة المؤسفة مستقبلا". وشدد البيان على أن "المملكة ترفض أي أمر من شأنه المساس بقيادتها وسيادتها واستقلال قضائها". رغم ذلك، أكّدت الخارجية السعودية في بيانها أن "الشراكة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، هي شراكة قوية ومتينة، ارتكزت خلال الثمانية عقود الماضية على أسس راسخة قوامها الاحترام المتبادل". وأعربت عن أملها في أن "تستمر هذه الأسس الراسخة التي شكلت إطاراً قوياً لشراكة البلدين الإستراتيجية".
واشنطن من جانبها لم تدرج ولي العهد في العقوبات التي فرضتها ولعل ذلك برهانا جديدا على أن المصالح تتصالح وأن القيم الإنسانية النبيلة كالعدل أبعد ما تكون عن الولايات المتحدة وهي أكثر بعدا عن السعودية التي تحكمها عصابة يقودها سفاح يدعى "بن سلمان".

Facebook Comments