مصر هبة الإمارات، حقيقة كارثية تتجسد على أرض الواقع منذ الانقلاب العسكري في مصر، حيث باتت أبرز وأهم القطاعات الحيوية بيد الإمارت، سواء عبر رهن القرار السياسي والاقتصادي للأهواء الإماراتية، كما يجري حاليا مع قناة السويس ومنطقتها الاقتصادية التي باتت في يد الإمارات، أو قطاع الأدوية والمستشفيات الفاخرة والمهمة في مصر، والتي تسيطر عليها شركة "أبراج كابيتال"، علاوة على السيطرة على شركات النقل البحري وموانئ مصر التي باتت في قبضة شركة "موانئ دبي"، إلى شركة "مواصلات مصر" التي تستحوذ على قطاع النقل الداخلي بمدن مصر، بجانب السيطرة عى القنوات الفضائية وشركات الدعاية والإعلام مناصفة مع شركات الجيش، بجانب أراضي مصر التي باتت في قبضة المستثمرين الإماراتيين في العلمين والجلالة وسيناء والعوينات والصالحية الجديدة وبورسعيد وغيرها الكثير من مجالات الحياة التي باتت احتلالا إماراتيا غير مباشر عبر بوابة الاستثمار.

جلاكسو للأدوية
ولعل آخر الجرائم التي تجري بحق المصريين في الأيام الحالية، ما أعلنته البورصة المصرية، عن تلقي شركة "جلاكسو سميثكلاين"، المدرجة بسوق المال المصري، عرضاً من شركة "حكمة" للاستحواذ على حصة المساهم الرئيسي بالشركة البالغة 91.2%.، وسط توقعات محللين بإتمام الصفقة خلال النصف الأول من العام، وحدوث صفقات استحواذ مماثلة بين الشركات المستثمرة في السوق المصرية خلال العام الحالي.
وأعلنت شركة جلاكسو سميثكلاين، في إفصاح للبورصة المصرية، الأربعاء 24 فبراير 2021م، موافقة مجلس الإدارة على تمكين شركة "حكمة"، ومستشاريها بالقيام بأعمال الفحص النافي للجهالة، بعد إعلانها أمس توقيع شركة جلاكسو جروب ليمتد (المساهم الرئيسي) مذكرة شروط أساسية غير ملزمة مع شركة حكمة فارما سيوتيكلز بي.ال.سي، للاستحواذ المحتمل على حصة المساهم الرئيسي في شركة جلاكسو سميثكلاين، البالغة 91.2% من خلال تقديم عرض شراء إجباري بنسبة 100% من كامل أسهم الشركة.
وبحسب بيانات أساسية بقطاع الأدوية، تعد شركة جلاسكو سميثكلاين من أكبر 5 شركات أدوية في مصر، بإجمالي مبيعات وصلت إلى 3.6 مليار جنيه في آخر 11 شهراً من 2020، أما "حكمة فارما" فتأتي في المرتبة الثامنة من حيث المبيعات بالسوق المصرية. وبحسب تقارير لـ CNNبالعربية، فإن العرض المقدم من "حكمة" يتضمن الاستحواذ على أصول جلاسكو سميثكلاين، التي تتضمن المصانع الخاصة بها.
من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة شركة "تشاور" لإدارة الرعاية الصحية والاستشارات، الدكتور خالد سمير، إن عرض "حكمة" للاستحواذ على جلاكسو سميثكلاين مصر، هدفه تحول الأولى لتكون شركة إقليمية في سوق الأدوية، خاصة أنها أكبر منتج لأدوية مرض السرطان في مصر، مشيرا إلى أن التوجه العالمي يسير نحو الاندماج مع تداعيات الجائحة الحالية.
وتوقع سمير، حدوث استحواذ مماثل بين الشركات المستثمرة في سوق الأدوية بالبلاد خلال العام الحالي بسبب جائحة كورونا، التي فرضت ضرورة وجود ميزانيات ضخمة للشركات لمواجهة مثل تلك التحديات. وهو اتجاه على ما يبدو لا يفيد المصريين في مواجهة المال الإماراتي والخليجي الذي يسيطر على قطاع الأدوية والمستشفيات بمصر.
وحسب آخر نتائج جلاكسو المالية، حققت الشركة مبيعات بلغت 1.42 مليار جنيه خلال الفترة من ينايرإلى سبتمبر2020 مقابل 1.19 مليار جنيه خلال نفس الفترة من 2019. وبلغ صافي أرباح 101.4 مليون جنيه خلال أول 9 شهور من 2020 مقابل 67.03 مليون جنيه خلال نفس الفترة من العام الماضي.
وبحسب مراقبين، فإن الصفقة تثير عدة تساؤلات حول ما إذا كانت الحكمة عند اندماجها أو استحواذها على جلاسكو ستظل مُدرجة بالبورصة المصرية، أم ستقدم عرض شراء إجباري وتستحوذ على باقي حصص المساهمين والشطب من البورصة، فضلا عن ما إذا كانت تتضمن صفقة الاستحواذ مصانع جلاكسو أم الأدوية التي تصنعها كذلك.
يشار إلى أن شركة «حكمة فارماسيوتيكلز بي. إل. سي.» (الحكمة)، هي مجموعة الشركات الدوائية متعددة الجنسيات والمدرجة في بورصة ناسداك دبي وسوق لندن المالي.

احتكار قطاع الصحة
ومؤخرا، وضمن سياسات الاستحواذ على قطاع الصحة المصري، كشفت تقارير عن تسعى السعودية والإمارت إلى شراء شركة أمون للأدوية التي تأسست عام 1991"، وتقع بمنطقة العبور الصناعية وهي من أكبر شركات الأدوية من حيث عدد المستحضرات البشرية والبيطرية والمكملات الغذائية، وبلغت قيمة مبيعاتها 3.7 مليار جنيه خلال العام 2019م.
وللإمارات والسعودية استثمارات ضخمة بقطاع الدواء والصحة فى مصر تزايدت بنسب كبيرة في السنوات الأخيرة؛ حيث تستحوذ "أبراج كابيتال" الإماراتية على معامل "البرج" و"المختبر"، بجانب 15 مستشفى خاص. في المقابل تستحوذ مجموعة "علاج السعودية"، Egypt – Elaj Group""، على 9 مستشفيات خاصة مصرية، ومعامل "كايرو لاب"، و75 % من مراكز "تكنوسكان" للأشعة.
وكشفت وكالة بلومبيرج الأمريكية أن اثنين من أكبر صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط يبحثان تقديم عطاء مشترك لشراء شركة أدوية مصرية، تقدر قيمتها بنحو 700 مليون دولار. وقالت الوكالة فى تقرير لها، إن صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة القابضة، المعروفة سابقا باسم شركة أبوظبي التنموية القابضة، يدرسان شراء شركة «أمون للأدوية»، وهي وحدة الأدوية المصرية التابعة لشركة «بوش هيلث كوز» الأمريكية.
من جانبه انتقد ‏محمود فؤاد،المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء (ابن سينا) المحاولات الرامية إلى استحواذ صناديق الاستثمارات العربية على مصانع الأدوية والمستشفيات وقطاع الصحة، في مصر الذي يعتبر السوق الأكبر بالمنطقة، بـ ٦٠ مليار جنيه، بالإضافة إلى شركات الجيش والشرطة ومناقصات الحكومة، التي لا يُعرف حجم مبيعاتها.
وأكد "فؤاد"، في تصريحات صحفية، أنه من الواضح أن هناك تنسيقا حتى تدخل الإمارات قطاع الصحة عبر المستشفيات، وأن تقتحم السعودية قطاع الصحة عبر مجال الأدوية. محذرا من التدخلات الأجنبية فى قطاع الدواء عبر بوابة الاستثمار، ولفت إلى أن الدواء آخر سلعة مسعرة في مصر إجباريا؛ ومن الممكن تحت ضغوط الاستثمارات الجديدة أن يتم تحرير سعر الدواء، وهنا الإشكالية الحقيقية حيث إن متوسط الدخول في مصر لن يوفر لأي مواطن القدرة على شراء الدواء والحصول على العلاج.
تأثيرات سلبية

وكشف "فؤاد" عن التأثيرات السلبية التى ستنعكس على الشركات الوطنية في هذه الحالة، مؤكدا أن الشركات المصرية لن تستطيع منافسة المستثمر الأجنبي، سوي ١٠ شركات قد تستطيع الصمود، ولكن القطاع الأجنبي يسيطر بقوة على هذا السوق الكبير ونصيبه الآن نحو ٦٣ %.
وأشار إلى أن كل الشركات تطمع الآن في كعكة التأمين الصحي الذي تتجه له (الدولة)؛ لأنه مع تعميمه سيمثل نحو ١١٠ مليار جنيه سنويا، وهذا مبلغ جيد لسوق مفتوح.
وقال الدكتور أحمد رامي الحوفي "أمين صندوق نقابة الصيادلة الأسبق"، إن ما يسمى بالاستثمار السعودي الإماراتي فى مجال الدواء في مصر لا يمثل إضافة حقيقية من حيث القيمة الصيدلانية؛ مؤكدا أن الدولتين ليست لديهما تميز أو تفوق بمجال صناعة الدواء. وإن العملية لا تعدو كونها نقل ملكية مصنع قائم بالفعل لملاك جدد؛ بما يعني أنه ليست هناك إضافة لإنتاج أصناف جديدة إلى السوق.
وحذر من العواقب السلبية لاستحواذ الإمارات والسعودية على قطاع الدواء وقطاع الصحة فى مصر، موضحا أن مخاطر هذا الاستحواذ تأتي من تطور علاقة التطبيع، واحتمالات أن تفضي الصفقة سواء عاجلا أو لاحقا لتسقط شركات إنتاج الدواء المصري بشباك مالك أو ملاك صهاينة.

Facebook Comments