من سخريات هذا العهد الأسود أن الطاغية عبدالفتاح السيسي، الذي اغتصب حكم مصر بانقلاب عسكري دموي والذي ارتكب عشرات المذابح الوحشية على رأسها مذبحة رابعة العدوية وميدان النهضة وميدان مصطفى محمود، وهي المذابح التي وقعت يوم 14 أغسطس 2013م، والتي قتل السيسي فيها أكثر من ثلاثة آلاف مصري في يوم واحد فقط بمنتهى الوحشية والإجرم، هذا السفاح يوجه حكومته بدراسة إنشاء مدينة للعدالة في عاصمته الإدارية الجديدة؛ الأمر الذي يثير العجب؛ فما علاقة السيسي بالعدالة وهو الذي نشر الظلم والطغيان والفساد في الأرض؟

لا يعرف العدالة 

وكان الجنرال الطاغية قد وجه رئيس حكومته مصطفى مدبولي ووزير الظلم بالحكومة عمر مروان، يوم الإثنين الماضي (1 مارس 2021م) بدراسة إنشاء "مدينة للعدالة" في العاصمة الإدارية الجديدة، تضم مجمعاً مركزياً للمحاكم، ومركز دراسات، وغيرها من المنشآت الخدمية المختلفة ذات الصلة. على أن تشتمل هذه المدينة على وحدات سكنية متنوعة لموظفي الجهاز الإداري والحكومي للدولة في العاصمة الجديدة، التي يجري إنشاؤها حالياً شرق القاهرة في اتجاه مدينة السويس، بمن في ذلك أعضاء الجهات والهيئات القضائية، والعاملون في وزارة العدل، وذلك عن طريق البدء في فتح باب الحجز لهم.
اللافت في الأمر، أن السيسي يهدر مليارات الجنيهات على عاصمته الإدارية دون اكتراث رغم أن هذه العاصمة يتم بناؤها بأموال القروض الباهظة التي يتحمل الشعب وحده سدادها وسداد فوائدها الباهظة ما يكبل مصر التي تعاني من تدهورد حاد في وضعها الاقتصادي لفشل النظام العسكري في إدارة موارد الدولة بشكل علمي سليم. وتكفي الإشارة إلى أن السيسي خصص 50 مليار جنيه لبناء الحي الحكومي فقط، وتكلف إنشاء مبنى البرلمان الجديد بغرفتيه (النواب والشيوخ) في العاصمة الإدارية نحو 4.8 مليارات جنيه، ويضم الحي الحكومي الذي يقام على 150 فدانا 10 مجمعات تضم 34 مقراً وزارياً، باستثناء وزارتي الدفاع والداخلية، إضافة إلى مبنى رئاسة الوزراء، ومبنى مجلسي النواب والشيوخ. وكان رئيس شركة العاصمة الإدارية ‏الجديدة، اللواء أحمد زكي عابدين، قد قال إن إجمالي الاستثمارات ‏في المرحلة الأولى للمشروع ‏يتراوح من 700 إلى 800 مليار جنيه، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة للدولة من عجز متفاقم، جراء سياسات التوسع في الاقتراض من الخارج، بغرض إنشاء مشروعات كبرى ليس لها عائد اقتصادي.
الملاحظة الثانية، أن السيسي الذي لا يعرف عن العدالة إلا إنشاء المباني والمحاكم الفخمة أما جوهر العدل ذاته فهو أبعد الناس عنه؛ ويكفي رصد ما فعله السيسي منذ الانقلاب حتى اليوم من تشريعات وقرارات أفضت فعليا إلى العصف بأي معنى للعدالة وتطويع مؤسسة القضاء حتى باتت من أكثر المؤسسات خضوعا لسلطة الجنرال الطاغية.
تسييس القضاء

ومنذ انقلاب 3 يوليو 2013م سيطر الجيش على كل مؤسسات الحكم وأبرزها الرئاسة ومؤسسة القضاء حيث جرى تسييسها لصالح النظام العسكري الجديد، فتوالت أحكام القضاء الجائرة بالمؤبدات والإعدامات، التي قتلت آلاف المصريين على المشانق أو داخل السجون، وبعدما كان الهتاف في الشارع المصري: "إن في مصر قضاة لا يخشون إلا الله" أصبح: "إن في مصر قضاة لا يخشون حتى الله". ومنذ انقلاب 03 فإن القضاء الذين تآمر على الثورة والنظام الديمقراطي يتعرض لأكبر عملية تجريف واحتواء تمثلت في تعديلات قانون الهيئات القضائية بما أفضى إلى هيمنة السلطة التنفيذية بشكل كبير على مفاصل القضاء؛ وبالتعديلات الدستورية التي جرى تمريرها في 2018م، فإن عملية تطويع القضاء والوصاية عليه، قد وصلت إلى محطتها الأخيرة التي بدأت مع جمال عبدالناصر وصولا إلى عبدالفتاح السيسي.
وخلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م، مرت العلاقة بين السيسي والقضاة بعدة محطات، بدأت بالتحالف الوثيق الذي تم في عهد الرئيس محمد مرسي؛ حيث نسجت شبكة المصالح ومافيا الدولة العميقة خيوط تآمرها بين الجيش والشرطة والقضاء والإعلام؛ من أجل إعاقة الرئيس المنتخب وإفشاله والحيلولة دون بناء مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية سليمة؛ وهو ما أفضى خلال تلك المرحلة إلى حل مجلس الشعب المنتخب بعد أقل من 5 شهور فقط من انتخابه؛ حيث انتخب في يناير 2012 وتم حله في مايو 2012م، بناء على حكم بعدم دستورية قانون الانتخابات الذي جرت على أساسه رغم أنها كانت الأنزه في تاريخ مصر كله؛ وكأن الهدف هو منع بناء واستمرار المؤسسات المنتخبة.

ترتب على تسييس القضاء وسيطرة السلطة التنفيذية على مفاصله بأدوات الترغيب والترهيب مسا بنزاهته المرجوة واستقلاله المنشود؛ فأهدرت العدالة على وقع الأحكام المسيسة التي تفتقد إلى أدنى معايير النزاهة والتي استندت فقط على تحريات الأجهزة الأمنية وهو ما انعكس على مستوى ثقة المواطنين بالقضاء وكذلك فقد القضاء المصري سمعته دوليا؛ حيث كشف مؤشر مشروع العدالة العالمية (WJP)، وهي منظمة مجتمع مدني دولية مقرها واشنطن، الصادر في يوليو 2018م، أن مصر حلّت في المرتبة 110 من مجموع 113 دولة، من حيث نزاهة القضاء وسيادة القانون، متذيّلة ترتيب الدول العربية والأفريقية التي شملها قياس الأداء المستند إلى 44 مؤشراً، منها: السيطرة على الحكومة، وغياب الفساد، والحقوق الأساسية، والنظام والأمن، والعدالة المدنية، والعدالة الجنائية.

Facebook Comments