كشفت تقارير صحفية أن طيران الاحتلال الصهيوني شن الإثنين 8 مارس 2021م غارات جوية على مواقع بمحافظة شمال سيناء؛ بدعوى أنها نقاط تمركز لتنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش" الإرهابي. وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن مصادر قبلية وشهود عيان أن الطيران الحربي الصهيوني شوهد يدخل من أجواء حدود سيناء مع الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأضافت المصادر ذاتها أن الطيران شن غارات على مدينتي رفح والشيخ زويد دون الإبلاغ عن وقوع إصابات. ويأتي القصف الجوي لدولة الاحتلال بعد غياب دام لأشهر عدة للتدخل الجوي للصهاينة في سيناء.ويعتقد أن الغارات استهدفت نقاط تمركز لتنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش" الإرهابي.
ومنذ الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال عبدالفتاح السيسي على المسار الديمقراطي في 3 يوليو 2013م بدعم إسرائيلي وأمريكي وخليجي واسع، باتت سيناء مستباحة لطيران الاحتلال الصهيوني بدعوى الحرب على الإرهاب والتنظيمات المسلحة. وساهمت "إسرائيل" بقوة في الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب هو الدكتور الشهيد محمد مرسي الذي استشهد في سجون الانقلاب العسكري في يونيو 2019م.
وحققت "إسرائيل" مكاسب هائلة بدعم الانقلاب العسكري ومارست ضغوطا كبيرة على الولايات المتحدة الأمريكية والعواصم الأوربية من أجل التعامل مع نظام السيسي ومنحه الشرعية المفقودة، والتسويق الواسع لوصف ما جرى في 30 يونيو وما تلاها على أنه ثورة وليست انقلابا عسكريا.

مكاسب للاحتلال 
وبانقلاب 30 يونيو حقق الاحتلال الصهوني عدة مكاسب هائلة:
أولا، تخلصت (إسرائيل) من كابوس التهديدات التي صنعتها ثورة يناير، والتي كانت ستفضي إلى مشاركة الشعب في صنع القرار السياسي المصري؛ وهو ما يعني استقلال القرار الوطني الذي بات مرهونا بأمزجة ومصالح القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها ضمان أمن "إسرائيل" ومصالح الأمريكان والأوروبيين. فمصر الديمقراطية هي أكبر تهديد للوجود الإسرائيلي، وعندما تكون هذه الديمقراطية بنكهة إسلامية فإن ذلك أشد خطورة على الاحتلال؛ ولهذه الأسباب فإن إسرائيل تفضل أن يكون على رأس مصر والدول العربية حكومة عسكرية أو ملكية مستبدة تكرس الطغيان وتهمش دور الشعوب في صناعة القرار.
ثانيا، ضمان خنوع مصر أمام المشروع الصهيوني واستسلامها للسياسات والإملاءات الأمريكية بهذا الشأن، والتحكم في قرراتها العليا بشأن جميع القضايا المحلية والإقليمية حتى تبقى مصر بجيشها ومقدراتها أسيرة للموقف الأمريكي الغربي؛ وقد برهن السيسي على ذلك بمواقفه المنحازة لـ"إسرائيل" والمعادية للمقاومة الفلسطينية وكل من يعارض المشروع الصهيوني؛ ويمكن الاستدلال على ذلك بتصريحاته في 16 مايو 2018؛ تعليقاً على القرار الأميركي بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس المحتلة، وما تلاه من مذابح "إسرائيلية" للفلسطينيين على حدود قطاع غزة، قائلاً إن "مصر لا تستطيع أن تفعل شيئاً، لأنها صغيرة، وضعيفة، وبلا تأثير"، مضيفاً خلال فعاليات المؤتمر الخامس للشباب، أن "قرار نقل السفارة سيؤدي إلى شيء من عدم الرضا والاستقرار، وإحنا بنتحرك في حدود قدرتنا، وحطوا خط تحت حدود قدرتنا". وتابع: "على الفلسطينيين أن يحتجوا بطرق لا تؤدي إلى سقوط ضحايا، وعلى "الإسرائيليين" أن يكونوا أكثر حرصاً في عدم إسقاط ضحايا. ولا يمكن لمصر أن تفعل شيئاً، وعلينا أن نعمل ونكبر لكي يكون لنا تأثير في المستقبل".
ثالثا، إضعاف شوكة المقاومة وفرض المزيد من الحصار عليها، عبر تطوير نظام السيسي علاقاته بالاحتلال والانتقال من دائرة التعاون الأمني والاستخباري إلى تطوير نسق من التكامل الميداني في مواجهة ما يوصف بأنه «تهديدات مشتركة»؛ وقد أقر كل من السيسي ونتنياهو بأن مصر سمحت لسلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ غارات في قلب سيناء بهدف المس بـ"الإرهابيين". وعلى الرغم من أن الهدف المعلن من شن هذه الغارات هو المس بتنظيم "ولاية سيناء"، الموالي لتنظيم "داعش"، إلا أن موقع "والا" الإسرائيلي كشف أن إسرائيل لا تستهدف هذا التنظيم بشكل خاص، بل قوافل السلاح الذي يتم تهريبه إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. ويمثل التعاون الأمني والتنسيق المخابراتي بين مصر والصهاينة أكثر صور التطبيع تأثيرا؛ وهو ما اعترف به السيسي في مقابلته مع برنامج "60 دقيقة" على قناة " سي بي أس" الأمريكية.

دور السيسي

رابعا، تعظيم الدور الوظيفي لنظام السيسي ليقوم بدور الشرطي في حماية أمن الاحتلال وضمان أمنه واستقراره، وعلى هذا الأساس فقد انخرط السيسي في تحالف آخر(تحالف الثورات المضادة) الذي يضم السعودية والإمارات وهو التحالف المدعوم من إسرائيل بهدف مواجهة التهديدات المشتركة وليس من قبيل الصدفة أن هذه التهديدات هي ذاتها التي تتخوف منها تل أبيب وهي مواجهة المشروع التركي/ القطري، والقضاء على الحركات الإسلامية السنية المعتدلة وخصوصا التي تعارض المشروع الصهيوني في المنطقة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وحركات المقاومة الفلسطينية، إضافة إلى التصدي للمشروع الإيراني والحد من تمدده ونفوذه بالمنطقة. 
خامسا، ومن أكثر النتائج المترتبة على انقلاب السيسي هو المزيد من توريط الجيش في مستنقع السياسة الآسن؛ وبالانقلاب على المسار الديمقراطي وثورة يناير تحول الجيش إلى حزب سياسي وليس جيشا وطنيا وفق المعايير المعترف بها دوليا للجيوش، وقد أشار الجنرال الصهيونى رؤفين بيدهتسور إلى ذلك في تصريحات له في في أعقاب الانقلاب قائلا: «إن تورط الجيش المصرى فى السياسة على هذا النحو سيضمن استمرار تفوقنا النوعى والكاسح على العرب لسنين طويلة»، «أما دان حالوتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلى الأسبق فقال فى حوار لإذاعة الجيش الإسرائيلى «أهم نتيجة لخطوات السيسى الأخيرة(الانقلاب) هى إضعاف الجيش المصرى على المدى البعيد»، أما إفرايم هاليفى رئيس الموساد الأسبق فقال «نجاح الانقلاب على مرسى سيعزز مكانة أمريكا وهذا بدوره سيعزز مكانتنا الأقليمية». والأكثر خطورة أن جلعاد أثنى على السياسة التسليحية ونمط وأهداف بناء القوة العسكرية في مصر واعتبر ذلك برهانا على أن الجيش المصري لا يمكن أن يشكل تهديدا لإسرائيل، وبخاصة في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط بين قادة الجيش الإسرائيلي وقادة الجيش المصري.
سادسا، من المكاسب الاستراتيجية الكبيرة تنازل السيسي عن جزيرتي "تيران وصنافير" للجانب السعودي، وهو ما يحول مضيق "تيران" من ممر مائي مصري خالص من حقها التحكم فيه إلى ممر مائي دولي وهو ما يتيح لأول مرة للكيان الصهيوني مرورا آمنا عبر البحر الأحمر ويحرم مصر من موقع عسكري شديد الأهمية من الناحيتين العسكرية والإستراتيجية.
وأخيرا، حققت (إسرائيل) مكاسب اقتصادية هائلة من نجاح انقلاب السيسي، فقد أسهم صعود السيسي على سدنة الحكم في مصر في تحسين بيئة إسرائيل الإقليمية؛ حيث انخرطت مصر في تحالف يضم إسرائيل واليونان وقبرص لمواجهة تركيا وهو منتدى غاز شرق المتوسط (‏EMGF‏)، وفي فبراير 2018 وقَّع السيسي مع حكومة الاحتلال صفقة لاستيراد الغاز بقيمة 15 مليار دولار لمدة 10 سنوات؛ وهي الصفقة التي وصفتها نتنياهو بــ«يوم عيد لإسرائيل»؛ وفي أكتوبر 2019 جرى تعديل على الصفقة لتمتد إلى 15 سنة وترفع القيمة إلى 19.5 مليار دولار، رغم إعلان وزارة البترول التابعة للسيسي إعلان الاكتفاء الذاتي من الغاز بعد اكتشاف حقل ظهر الذي يوصف في إعلان النظم بأنه أكبر حقل غاز في البحر المتوسط والعالم.

Facebook Comments