الفشل السياسي وتلفيق القضايا وتضعضع الحجج القانونية في القضايا السياسية الكبرى والصغرى التي يعلن عنها لتبرير حملات الاعتقال الوحشي بحق المصريين، تبقى عنوان الموقف الراهن إزاء الخلافات بين الأجهزة الأمنية حول الافراج الشرطي عن بعض المعتقلين.
وقد أثارت وساطة نقيب الصحفيين الحالي ضياء رشوان لدى السلطات الأمنية الانقلابية بشأن الإفراج عن بعض الصحفيين المعتقلين أزمة حادة بين أجهزة القمع الأمني والقضائي، حيث أعلن رشوان عن بشرى بالإفراج عن عدد من الصحفيين المعتقلين قبيل إحراء انتخابات الصحفيين المقررة 19 مارس الجاري؛ وهو ما عده صحفيون مجرد رشوة من النظام ودعاية انتخابية لنقيب النظام داخل نقابة الصحفيين، بعدما سيطرت قضايا الحريات والصحفيين المعتقلين على جميع الأوساط الصحفية بمصر، وحصار الصحفيين للمرشحين بضرورة الإفراج عن المعتقلين.
وأمام الأزمة الداخلية لنظام السيسي، تراجعت الآمال في إطلاق سراح مزيد من النشطاء السياسيين، وعلى رأسهم المعتقلون من القوى اليسارية والليبرالية في قضية "خلية الأمل"، بعد قرار محكمة جنايات القاهرة، تجديد حبس الصحفيين خالد داود وهشام فؤاد وعبدالناصر إسماعيل وحسام مؤنس والناشط اليساري الفلسطيني رامي شعث لمدة 45 يوماً. وكان من المرجح إخلاء سبيل بعضهم على الأقل، حسب وعود نقيب الصحفيين ضياء رشوان، المرشح في انتخابات النقابة لولاية جديدة، وبناء على تطمينات أمنية واستخباراتية مختلفة لشخصيات سياسية وإعلامية، شاركت في جهود الوساطة لحلحلة ملف المعتقلين قبل انتخابات نقابة الصحفيين.
وحمل ضياء رشوان، الذي يرأس أيضاً الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الانقلاب، بشارة إلى جموع الصحفيين عن إخلاء سبيل ثلاثة صحفيين فقط بتدابير احترازية، هم مصطفى صقر وحسن القباني وإسلام الكلحي. لكن أسماء عديدة، كان من الوشيك خروجها منذ فترة قصيرة، لم تطرح بالمرة حالياً، منها المدانون والمحكومون الذين لا يجوز خروجهم إلا بعفو صحي أو خاص من عبد الفتاح السيسي.
وبعيداً عن الإحراج البالغ الذي تسبب فيه قرار المحكمة لرشوان، ودفعه لنشر عدة تدوينات عن تاريخه في التفاوض مع النظام للإفراج عن الصحفيين المحبوسين، كشفت مصادر أمنية، أن هناك حالة من الغضب والتوتر بين وزارة الداخلية، والنيابة العامة بسبب تعجل إعلان إخلاء سبيل المحبوسين احتياطياً. ويأتي ذلك امتداداً للخلاف الذي نشب بين النيابة، التي تختص قانوناً بإصدار قرارات إخلاء السبيل المرتقبة، والأمن الوطني، في يناير الماضي. وعلى الرغم من التنسيق المستمر بين الجانبين، إلا أن النيابة حملت الجهاز مسؤولية تسريب المعلومات الإيجابية عن قرب خروج بعض المعتقلين قبل ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلى أروقة الإعلام والسياسة، ما يظهر النيابة العامة بمظهر "التابع" أو "المأمور"، خصوصاً أن هذا المشهد تكرر من قبل عدة مرات، ما دفعها للاحتجاج والتأكيد على عدم السماح بالتوسع في إخلاء السبيل في ذلك الوقت، وتأجيله لفترة لاحقة.
وإزاء ذلك، تعنتت النيابة في تفعيل سلطتها لإخلاء سبيل المتهمين، متذرعة بتماثل الموقف القانوني لهم مع آخرين. وأخبرت الأجهزة المعنية بأنها ستترك مسألة إخلاء السبيل لتقررها دوائر الإرهاب المختصة بمأمورية محاكم طرة، عند نظر تجديد حبس المتهمين، وقامت -استثنائياً- بتبكير مواعيد عرض المتهمين على الدوائر لتجديد الحبس. لكن رؤساء الدوائر الذين عارضوا إخلاء سبيل المعتقلين المرجو إطلاق سراحهم خلال الشهرين الماضيين، جددوا رفضهم ذلك، بحجة ارتباط الموقف القانوني لبعض المعتقلين بزملاء لهم لم يستفيدوا من جهود الوساطة المبذولة على مدار ثلاثة أشهر تقريباً.
وبطرق ملتوية ، تلقى محامون نصائح من الأمن الوطني عبر الوسطاء بتقديم "التماسات إنسانية" للنيابة العامة، تُركز على الحالة الصحية للمعتقل وذويه. وبالفعل تلقت نيابة أمن الدولة العليا، خلال الأسبوعين الأخيرين، أكثر من 300 التماس، بشأن نشطاء معروفين وغير معروفين، لكنها لم تقبل إلا عدداً لا يتجاوز أصابع اليدين.

المخابرات والأمن الوطني
وعلى الرغم من جدية هذه الاعتبارات والخلافات، إلا أن المشكلة كان يُمكن أن تُحل بصدور تعليمات مباشرة من دائرة السيسي، لكن هذا لم يحدث. وبدلاً من ذلك استمرت نيابة أمن الدولة العليا في إصدار قرارات إخلاء سبيل محدودة لعشرات المتهمين غير المعروفين في قضايا تعود لأحداث سبتمبر 2019 ويناير 2020، وقضايا صغيرة أخرى، للإيحاء محلياً ودولياً بتغير ما في الموقف الرسمي من قضايا الرأي العام، للتغطية على عدم الإفراج عن الأسماء المعروفة والموعود بها.
ويتصاعد خلاف آخر بين المخابرات العامة والأمن الوطني، حول سرعة ومدى الاستجابة للضغوط الأجنبية لإخلاء سبيل بعض المتهمين بعينهم، وخصوصا معتقلي "خلية الأمل"، حيث ما زالت تسود مطالبات داخل الجهازين بإرجاء اتخاذ مثل تلك الخطوات، والاحتفاظ بالمعتقلين "كأوراق" يمكن التنازل عنها مستقبلاً عند نشوب خلاف "كبير" مع الإدارة الأميركية الجديدة أو إحدى العواصم الأوروبية الرئيسية.

كشف تلفيق القضايا
وتكمن المشكلة الأبرز في قضية "خلية الأمل"، كنموذج للقضايا السياسية، لعدم موافقة الجهازين على خروج معظم المعتقلين على ذمتها، واتهامهم بقضايا أخرى أيضاً. وتضم هذه القضية رامي شعث الناشط ضد الصهيونية والمتزوج من مواطنة فرنسية ونجل السياسي الفلسطيني نبيل شعث. وعلى الرغم من الإلحاح الفرنسي المتكرر خلال عام تقريباً، حرص السيسي ووزير الخارجية سامح شكري على عدم إعطاء أي تعهدات بقرب إطلاق سراحه.
كما أن هناك تحفظات من الأمن الوطني تحديداً على خروج جميع المتهمين في هذه القضية، نظراً للضجة التي أثيرت حولها عند اصطناعها، علماً بأن جميع المتهمين بها مدرجون على قائمة الإرهابيين، أي ممنوع سفرهم وتصرفهم في أموالهم. وتشير تلك المعطيات إلى أن المعتقلين تحولوا إلى ورقة ضغط ورهائن لنظام السيسي يلاعب بهم الداخل والخارج، من أجل تخفيف الضغوط على النظام المدان في الغرب وفي الداخل. كما تكشف التفاصيل عن حجم التلفيق الكبير لكل القضايا السياسية التي يعلن عنها النظام وأنها مجرد شو إعلامي، بلا دلائل حقيقية، وهو ما يزيد من فضائح نظام السيسي.

Facebook Comments