أمام الضغوط الهائلة التي مارستها أجهزة الطاغية عبدالفتاح السيسي، زعيم الانقلاب العسكري، والابتزاز المتواصل والتهديدات الصريحة والمباشرة باستهداف شركاته وأرصدته؛ رضخ رجل الأعمال "صلاح دياب" وتنازل عن ملكيته بصحيفة "المصري اليوم"، لجهاز المخابرات العامة الذي يتولى إدارته اللواء عباس كامل الصديق الحميم للسيسي ومدير مكتبه السابق برئاسة الانقلاب والمخابرات الحربية.
خطوة سيطرة أجهزة السيسي الأمنية على "المصري اليوم" تأتي بعد أيام قليلة من استحواذ عضو مجلس الشيوخ عن حزب "مستقبل وطن" الموالي للنظام "محمد منظور"، على قناة "المحور" من مالكها رجل الأعمال "حسن راتب".وقالت مصادر إن "منظور" حصل على نسبة 50% من ملكية القناة، في حين توزعت بقية النسب على إحدى الجهات الإعلامية الرسمية (مجهولة) وشركة "نايل سات" ومدينة الإنتاج الإعلامي.
وكان الحقوقي المصري أحمد سميح قد أشار إلى بيع صحيفة (المصري اليوم) قائلا عبر صفحته على تويتر “المخابرات العامة ترسل أوراق شراء (المصري اليوم) بدون ذكر اسم المشتري، والملاك وقّعوا بعد أن سبق وأرسلوا عقدا يتضمن اسم عضو مجلس الشورى محمد منظور”. وقال سميح في حديث لبرنامج المسائية على شاشة الجزيرة مباشر إنه نشر عبر تويتر، في أكتوبر 2020م، اسم المشتري الأول لصحيفة (المصري اليوم)، مضيفًا أن عملية البيع سبقتها ضغوطات على صلاح دياب المالك الأول للصحيفة، منها سجنه شهرين خلف القضبان، قبل أن يُعلن عن البيع ويظهر اسم محمد منظور للعلن، ومع تسريب الاسم جُمِّدت الصفقة مدةً ثم ظهر العقد الجديد من دون إرفاق أسماء المشترين حفاظًا على السرية.
ويرى الكاتب الصحفي سليم عزوز أن استحواذ نظام السيسي على قناة المحور وصحيفة المصري اليوم إنما يأتي في سياق الخوف من مصير الرئيس الأسبق حسني مبارك. وأكد عزوز -في حديثه لبرنامج المسائية على شاشة الجزيرة مباشر- أن القبض على صلاح دياب -المالك الأول لصحيفة (المصري اليوم)- لمرتين لم يكن إلا لإجباره على الخضوع وبيع الصحيفة. وتابع “بالرغم من أن الإعلام في قبضة السيسي ونظامه العسكري، إلا أن السيسي يخشى من تغيّر المشهد السياسي، وانطلاقًا من مبدأ (لو تغيرت الظروف)؛ فإنه يتخوّف من عاقبة تراخي قبضته على الحياة الصحفية والسياسية”.
وتناقلت وسائل إعلام ما وصفته بالخطة الجديدة للمؤسسات الإعلامية التابعة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية في مصر، والتي تهدف إلى تغيير استراتيجية العمل الإعلامي الرسمي، خصوصًا مع التحولات على صعيد السياسة الخارجية، بالتزامن مع تغير المعطيات الإقليمية والدولية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، وتغير السياسة المصرية تجاه قطر وتركيا.
وتستهدف الخطة الجديدة تصعيد الصحفي محمد علي خير والمذيع أسامة كمال، المحسوبيْن على نظام السيسي، وتقديمهما كأصوات معارضة، في إطار توجُّه أوسع لإضفاء مظهر مختلف على الإعلام المصري، كما صدرت تعليمات للصحف والمواقع التابعة لها بضرورة التدقيق في الموضوعات المنشورة على جميع المنصات، ومحاولة “رفع سقف المهنية والجودة والابتعاد تمامًا عن أي عناوين غير مهنية تحمل إثارة جنسية أو دينية أو تعصبًا رياضيًا أو طائفيًا”.

كواليس الصفقة
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن مصادر داخل الصحيفة أن "دياب" رضخ أمام الضغوط الأمنية التي مورست عليه، وقرر بيعها؛ لتتعزز سيطرة الجهات الأمنية في مصر على وسائل الإعلام الخاصة. حيث باتت عملية بيع الصحيفة، في مراحلها الأخيرة، حيث يضع الطرفان اللمسات النهائية قبل توقيع العقود. ومن المنتظر الإعلان عن بيع الصحيفة خلال أيام قليلة، من دون الكشف عن الجهة التي ستشتري.
وتعرض "دياب" لضغوط سابقة من أجل التنازل عن ملكيته للصحيفة حيث جرى حبسه في نوفمبر 2015م مع نجله و12 رجل أعمال آخرين على خلفية اتهامات بينها الفساد وحيازة أسلحة، ولاحقا قررت محكمة مصرية التحفظ على أموال "دياب". كما أحالت النيابة "دياب" إلى المحاكمة الجنائية بتهمة حيازة أسلحة وذخيرة، ثم أخلي سبيله بكفالة 50 ألف جنيه، قبل أن يصدر حكم ببراءته في سبتمبر 2017م.
وفي ديسمبر 2019، أعلن القضاء المسيس رفع اسم "دياب" ومعه رجل الأعمال "محمود الجمال"، من قائمة الممنوعين من السفر، بعد سدادهما مبلغ 270 مليون جنيه مقابل التصالح في قضية اتهامهم بشراء أراضي الدولة بأسعار بخسة.
وعادت سلطات الانقلاب لاعتقال "دياب" في سبتمبر 2020م، بدعوى تورطه في مخالفة بناء في مصنع مملوك له، فضلا عن حديث للإعلام التابع للسلطة عن مخالفات مالية لم يقدم تفصيلات عنها.

تأميم الإعلام
ومنذ انقلاب 3 يوليو 2013م شنت سلطات الانقلاب العسكري حربا بلا هوادة على وسائل الإعلام؛ حيث جرى غلق عشرات الفضائيات والصحف ومئات المواقع الإخبارية، وبحسب خبراء ومتخصصين في صناعة الإعلام فإن الدكتاتور السيسي دأب منذ لحظة الانقلاب الأولى على السيطرة على جميع وسائل الإعلان بهدف التحكم الكامل في الوسائل والرسائل الإعلامية؛ فقد جرى شراء جميع الصحف والفضائيات والمواقع الإخبارية.
وتعرف المصريون على تصورات السيسي نحو الإعلام خلال تدشين حفر تفريعة قناة السويس في أغسطس 2014م قال إن "الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظا، لأنه كان يتكلم والإعلام كان معه". وخلال السنوات اللاحقة، كرر "السيسي" حديثه عن أهمية الإعلام ودوره في الترويج لإنجازات النظام، وكثيرا ما تضمنت خطاباته انتقادات لوسائل الإعلام الموالية للنظام، رغم أن كثيرين يرون أنها بالغت في تأييده والتبرير له. و شهدت مصر منذ الانقلاب، خطوات متسارعة على طريق بسط السيطرة الحكومية على وسائل الإعلام، وفرض الصوت الواحد حتى على الإعلام الخاص الذي أصبح في بؤرة الاهتمام الحكومي.

محطات الهيمنة على الإعلام
ومنذ منتصف عام 2016، بدأ عقد القنوات الفضائية الخاصة المصرية في الانفراط، بعد استحواذ شركات تابعة للأجهزة السيادية عليها واحدة تلو الأخرى. وكانت البداية ببيع رجل الأعمال المصري الشهير "نجيب ساويرس"، شبكة قنوات (ON TV) لشركة "إعلام المصريين" التي كان يملكها حينئذ رجل الأعمال "أحمد أبو هشيمة". هذه الشركة انتقلت بدورها إلى الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التابعة لأجهزة الدولة السيادية (المخابرات)، وهو لفظ يقصد به غالبا إما رئاسة الجمهورية أو المخابرات أو الجيش.
وفي العام التالي، باع رجل الأعمال "السيد البدوي"، شبكة قنوات "الحياة" الشهيرة إلى شركة "تواصل" التابعة لشركة "فالكون"، والتي باعتها بدورها لشركة "إعلام المصريين" في منتصف عام 2018، ومنذ ذلك الحين تراجعت أهمية القناة التي كانت يوما ما في مقدمة القنوات الخاصة بمصر.
وفي سبتمبرل 2018، استحوذت شركة "إعلام المصريين" ذاتها على شركة "المستقبل" المالكة لشبكة قنوات (CBC)، التابعة لرجل الأعمال "محمد الأمين"، الذي أسس شبكة من القنوات الناجحة، أتبعها بالاستحواذ على مجموعة قنوات "النهار" و"مودرن".
وفي العام ذاته، باع البرلماني الأسبق "سعيد حسانين"، قناة "العاصمة" المثيرة للجدل إلى شركة "فالكون"، والتي ترأسها المتحدث العسكري السابق العميد "محمد سمير"، بعد مغادرته منصبه مطلع عام 2017، قبل أن تغلق في وقت لاحق.
وفي تقرير سنة 2017م لها بعنوان "مصر: حينما تبسط المخابرات سيطرتها على الإعلام"، قالت منظمة "مراسلون بلا حدود"، إن رجال المخابرات أقرب إلى وسائل الإعلام من أي وقت مضى. وأشارت المنظمة، ومقرها باريس، إلى استحواذ عدد من رجال الأعمال المعروفين بصلاتهم بالأجهزة الأمنية، على عدد من الوسائل الإعلامية، بما فيها المقربة من النظام.
لكن ما بين عمليات الاستحواذ أو الاستيلاء على القنوات الفضائية، كانت الفوضى هي سيدة الموقف، حيث أغلقت قنوات واختفت أخرى مثل قناة "On tv live"، و"DMC News"، و"العاصمة"، و"الناس" (دينية)، و"مودرن"، إضافة إلى خفوت نجم العديد من القنوات مثل "دريم" و"الحياة" وغيرها.

Facebook Comments