محاكم الانقلاب تحولت من وسيلة لإعادة الحقوق لأصحابها والقصاص من الظالمين والمرتشين واللصوص والقتلة وفق القوانين إلى وسيلة لقمع وكبت أصحاب الحق وتبرئة المجرمين. وساهم في العصف بالعدالة تأسيس النظام نفسه على الظلم والقتل وسفك الدماء وتكريس الظلم والزج بالأبرياء في السجون بتهم ملفقة حتى تحولت مؤسسات الدولة كالأمن الوطني والنيابة وجهاز الشرطة إلى شهود زور يفبركون القضايا ويلفقون التهم.
كما ساهم في العصف بالعدالة أيضا تفشي ظاهرة شهود الزور في القضايا الشخصية بين المواطنين بعضهم بعضا؛ وهؤلاء تحولوا إلى ظاهرة أمام المحاكم كما يؤكد عدد من المحامين؛ حيث يفاجأ من يدخل هذه المحاكم بمن ينادى: “شاهد..شاهد..شاهد”.. وهؤلاء يسمون أنفسهم “شهود تحت الطلب”.
وتتراوح أسعار الواحد منهم بين 300 و500 جنيه في حالة الاتفاق على الإدلاء بشهادته أمام النيابات أو المحاكم.. وهكذا تحولت شهادة الزور إلى سلوك إجرامي تمارسه أجهزة الدولة وامتد حتى بات ظاهرة إجرامية تحت رعاية نظام الانقلاب وأجهزته لتبرئة المجرمين والقتلة واللصوص والفاسدين والمرتشين.

جرائم القتل
حول هذه المأساة يكشف «هاني. س»، محام بالنقض، تفاصيل مثيرة حول عالم شهود الزور قائلًا: الصورة اختلفت عن الماضي، فالأعداد كانت ضئيلة قديمًا وأقصى ما كانوا يقومون به هو الشهادة علي عقد بيع تم تحريره بين طرفين ثم تراجع أحد الطرفين عن البيع، فنلجأ وقتها لشهود للطعن على صورة العقد، موضحا أنه رغم أن الشاهد بالأساس لم يكن موجودا بالعقد إلا أنه يقسم بأن البيعة تمت أو لم تتم على حسب اتفاق المحامي.
وأضاف هانى: أما الآن .. المسائل تطورت لتصل إلى جرائم القتل والسرقة بالإكراه والخطف والاغتصاب، مشيرا إلى أن السعر يتفاوت، فهناك شاهد قد يحصل على 300 إلى 500 جنيه عن كل قضية، وهناك آخر تصل شهادته إلى 10 آلاف جنيه. وأوضح أن السعر يتفاوت أيضا على حسب الوظيفة التي يعمل بها الشاهد، لافتا إلى أن أصحاب الوظائف سعرهم مرتفع لأن البعض يلجأ اليهم حتى لا يشك القاضي فى شهادتهم.

بيزنس انقلابى
وقال «أحمد. م» محام بالاستئناف، إن الشهود على مختلف أشكالهم موجودون داخل المحاكم، مشيرا إلى أن هناك من الشهود من يضطر لارتداء بدلة، وآخر يطلق لحيته وهذا له سعر وذاك له سعر آخر. وأكد أحمد أن شهادة الزرو تحولت إلى بيزنس، لافتا إلى أن هناك أشخاصا ينظمون أعمال هؤلاء الشهود، إما أن يكون سمسارًا أو محاميا أو شاهد زور قديم، يجمع كافة البيانات عن هؤلاء الشهود، ويقوم بتوفير الشخص المطلوب سواء كان رجلا أو امرأة، ويحصل في المقابل على نسبة من المبلغ.
وأشار إلى أن نظام عمل الشاهد معقد بدرجة كبيرة، فلا يمكن ظهوره أمام نفس الدائرة خلال أسبوع واحد، ويكتفي فى الغالب بالإدلاء بشهادة مزورة أربع مرات خلال الشهر، وأمام دوائر مختلفة بنفس المحكمة وفي كل مرة يغير من ملامحه، كأن يرتدي نظارة أو يحلق شعره وهكذا. وعلى الجانب الآخر يعمل بمحاكم أخرى بما يجعل حصيلة ما يتقاضونه مقابل ذلك العمل يتراوح من 2 إلى 3 آلاف جنيه شهريًا كحد أدنى.

مثواه النار
حول موقف الشريعة الاسلامية من شهادة الزور، قال الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، إنه لا يجوز للإنسان أن يشهد بما لم يره بعينه، فلا يصح أن يقول سمعت أو نقل إلي إنما ينبغي على الشاهد أن يكون شاهد عيان وإلا كان شاهد زور، مشيرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الطيور لتضرب بمناقيرها وتحرك أذنابها من هول الموقف ومن شدة قول الزور” وجعله الله سبحانه «رجس»، فقال: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا مع أصحابه وكان متكأ فجلس فقال ألا وقول الزور ألا وقول الزور وظل يرددها حتى قلنا: «ليته سكت».
واعتبر الأطرش فى تصريحات صحفية، أن شاهد الزور إنسان حقير، خسيس، لا أمانة له، ولا دين عنده، مؤكدا أن شاهد الزور هو أول من ينقلب على من شهد معه؛ لأنه أساء إلى من شهد عليه بأن أهانه وظلمه وخذله في وقت هو أحوج فيه إلى الناصر والمعين، وأضاع حقه، وخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره»، وأساء إلى من شهد له، حيث يريد أن ينفعه فأضره، أعانه على الظلم وأوقعه في الإثم، وأساء إلى القاضي، أتعبه، وأضنى فكره، وحير لبه، وضيع وقته، وأساء إلى الأمة بأسرها، لوث شرفها، وشوه سمعتها، وكل أمة فشى فيها قول الزور والكذب، سقطت من عيون الأمم، وأساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حيث خالف أمره ورفض هديه.
وأكد أنه إذا كان شاهد الزور يفعل ما يفعله من أجل مال يأخذه؛ فهو سحت لا بركة فيه، وإن كان من أجل صداقة للمشهود له فتعسا لهذه الصداقة. عن عائشة رضي الله عنها تقول: “من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس؛ ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس”، موضحا أنه إذا كان يفعل هذا الزور بدافع العداوة والبغضاء بسبب تحريف الشهادة فما أجهله وما أتعبه؛ فقد أضر بنفسه قبل أن يضر بغيره، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰۖ وَاتَّقُوا اللَّهَۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). واختتم الأطرش قائلا: إن كان الباحث عن شهادة الزور، خوفا من مكروه يناله إذا تحرى الصدق والصواب ونطق بالحق وفصل الخطاب فعليه أن يعلم الصدق هو الذى ينجيه وأن تقوى الله هى التى تحميه.

Facebook Comments