بمرور الوقت تحول الصندوق السيادي إلى دولة داخل الدولة المصرية، فالصندوق الذي تأسس بموجب القانون رقم 177 لسنة 2018م، يحظى بمزايا وامتيازات ضخمة لم تحصل عليها أي مؤسسة أخرى باستثناء الجيش الذي يسيطر فعليا على نحو 90% من أراض مصر. لكن الصندوق الذي يقع تحت إشراف مباشر من الدكتاتور عبدالفتاح السيسي جنرال الانقلاب وزعيم العصابة الأكبر، بات يسيطر فعليا على معظم ثروات مصر وأهم المواقع في القاهرة وباقي المحافظات.
من جانب آخر، فإن الصندوق السيادي، وبحكم تعديلات حديثة تم ادخالها على قانون تأسيسه وأقرها البرلمان، بات محصناً بشكل كامل من المساءلة والرقابة الرسمية والشعبية والملاحقة القانونية، وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام الفساد والمحسوبية وإهدار المال العام، وهي التعديلات التي أثارت حينها علامات استفهام حول كيفية إدارة أموال الصندوق وأصوله، وكيفية التصرف في حصيلة بيع تلك الأصول المملوكة له والتي هي في الأصل أصول تابعة للدولة ومملوكة للمصريين.
الصندوق السيادي حصل أيضاً على إعفاء معاملاته وأنشطته والكيانات المملوكة له بالكامل من جميع الضرائب والرسوم، وهو ما يضيع مليارات الجنيهات على خزينة الدولة، ويطرح تساؤلات حول الهدف من تأسيس الصندوق، وما إذا كان الهدف هو تزويد الخزانة العامة التي تعاني من عجز مالي كبير بالسيولة النقدية ورفدها بالأموال كما تردد، أم اغتراف الصندوق المليارات من هذه الخزانة الخاوية عبر الإعفاء من سداد الضرائب، وإذا كانت مؤسسة بحجم الصندوق السيادي يتم إعفاؤها من سداد الضرائب والرسوم، فهل بات المواطن والموظف البسيط هو من يسدد تلك الضرائب من جيبه المخروم أصلاً؟!

مليارا جنيه للصندوق!
وتجدد الحديث عن الصندوق مؤخرا في أعقاب موافقة مجلس النواب التابع للأجهزة الأمنية بصفقة نهائية على مشروع قانون مقدم من الحكومة بفتح اعتماد إضافي بالموازنة العامة للدولة للسنة المالية الحالية (2020 ــ2021)، وذلك بقيمة ملياري جنيه في الباب السابع للموازنة (حيازة الأصول المالية المحلية والأجنبية)، وازدياد الموارد العامة للدولة في الباب الخامس (الاقتراض) بنفس المبلغ.
وكشف وزير المالية بحكومة الانقلاب، محمد معيط، أن طلب الاعتماد الإضافي سيوجه لصالح "صندوق مصر السيادي"، غير الخاضع لأي من أشكال الرقابة والذي يتبع للسيسي مباشرة، من أجل الوفاء بالعديد من الالتزامات حيال الجهات المتأثرة بتداعيات جائحة كورونا. فيما رفض رئيس مجلس النواب، حنفي جبالي، اقتراحاً مقدماً من النائب محمود قاسم بشأن ذكر الجهة التي سيذهب إليها الاعتماد الإضافي (الصندوق السيادي)، بقوله إن "المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون ستبين إلى أين سيوجه هذا الاعتماد".
وكان مجلس نواب العسكر قد أقر تعديلاً حكومياً على قانون إنشاء "صندوق مصر السيادي"، يهدف إلى تقنين إجراءات نقل الأصول المستغلة وغير المستغلة للدولة إلى الصندوق، بحيث تشمل إدارة أموال وأصول الدولة، والجهات والكيانات والشركات التابعة لها، أو التي تُعهد إليها إدارتها، أو التي تساهم الدولة فيها.
وحصن التعديل قرارات رئيس الانقلاب بنقل ملكية الأصول إلى الصندوق من الطعن القضائي، والذي اقتصر على الجهة المالكة أو الصندوق نفسه، وعدم رفع الدعاوى ببطلان العقود التي يبرمها الصندوق، أو التصرفات التي يتخذها لتحقيق أهدافه، أو الإجراءات التي اتخذت استناداً لتلك العقود، أو التصرفات، إلا من أطراف التعاقد من دون غيرهم.
يذكر أن وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، هالة السعيد، قد قالت أمام البرلمان، إن "الصندوق سيحل بديلاً عن الاستدانة من الخارج، لا سيما أن مصر دولة تحتاج إلى تنمية مواردها، وتواجه فجوة تمويلية"، مستكملة أن "هناك 32 أصلاً للدولة بين أراض ومبان وغيرها، نُقلت ملكيتها بالفعل إلى الصندوق السيادي، وجار حصر 4800 أصل غير مستغل للنظر في نقل ملكيتها".

وفي سبتمبر 2020م، خرج أيمن سليمان، الرئيس التنفيذي للصندوق والمعين من السيسي، مدعيا أن الصندوق يخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، ويقدم تقريراً سنوياً للجمعية العمومية ورفعه لرئيس الانقلاب ورئيس مجلس النواب، لكن لم يقل لنا: هل رقابة الجهاز سابقة أم لاحقة، ومن يراقب أنشطة وقرارات مجلس إدارة الصندوق الذي بات يدير أصولاً تابعة للدولة تقدّر قيمتها بمئات المليارات من الجنيهات؟ من يحاسب رئيس الصندوق وكبار مديريه في حال اتخاذهما قرارات وسياسات خاطئة تضر بأصول الدولة المدارة وتحقق خسائر فادحة للمال العام؟ وعلى أي أساس يتم نقل الأصول الضخمة التابعة للدولة إلى الصندوق السيادي؟ وما مصير حصيلتها في حالة بيعها؟ وهل هناك ضوابط تنظم عملية البيع بحيث لا تؤول هذه الأصول الاستراتيجية إلى جهات معادية للدولة المصرية، أو إلى مستثمرين عرب وأجانب يكونون معبراً وغطاء لرجال أعمال إسرائيليين، وربما تابعة لمؤسسات رسمية في دولة الاحتلال؟ وكيف يتفادى الصندوق السيادي الكوارث المالية وعمليات الفساد والرشاوي التي صاحبت برنامج الخصخصة وبيع أصول وشركات الدولة؟ أم أن الصندوق هو معبر للسطو على ثروات مصر وتوفير السيولة للنظام الذي أدمن الاقتراض ولم يعد قادرا على إدارة موارد الدولة بشكل صحيح وشفاف كما يجري في صندوق "تحيا مصر"؟!

دولة داخل الدولة!
وبحسب الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، فإن طبيعة صندوق مصر السيادي غير معروفة، فهل هو صندوق سيادي يتولّى إدارة فوائض الدولة المالية في الخارج على غرار الصناديق السيادية الخليجية، وصندوق النرويج، أكبر صندوق في العالم، أم أنه صندوق تؤول إليه أصول الدولة لإدارتها، وفي هذه الحالة ما الفارق بينه وبين الوزارات الاقتصادية، مثل وزارة قطاع الأعمال العام، والشركات القابضة التابعة لها عشرات من الشركات الحكومية؟
ويرى أن غياب الرقابة عن الصندوق والمزايا والامتيازات الضخمة التي يحظى بها جعلت منه لغزا يفوق لغز صندوق "تحيا مصر" الذي يشرف عليه السيسي أيضا، مؤكدا أن الصندوق السيادي تحول إلى دولة داخل الدولة، لأن هذا الصندوق مملوك للمصريين ويدير أموال وثروات وأصول الدولة، وليس صندوق استثمار يملكه عدد من كبار رجال الأعمال والمستثمرين والشركات الخاصة الذين قد يحددون سياساته الاستثمارية وكيفية إدارة أمواله خلال غداء عمل.

Facebook Comments