بعد انقلاب العسكر في 30 يونيو 2013 وغلق القنوات التي رفضت الانقلاب واعتقال العاملين بها، اضطرت الجبهات المعارضة لبث فضائيات من الخارج، بعضها استمر لفترة وجيزة واختفى، ثم انطلق مجددا ليواصل مهمته دون توقف، وفضائيات أخرى انطلقت لتعوض غياب من اختفى بعد تغيير مقر ومكان البث؛ هربا من الملاحقة الدولية والقضائية الحليفة لعصابة العسكر.
وأمام فضيحة العسكر في مجال انتهاك حقوق الانسان، اعترف وزير خارجيتهم "سامح شكري" أمام برلمان الدم، بتفوق إعلام المعارضة بالخارج رغم ضعف الإمكانات مقارنة بالمليارات التي تضخ في اعلام الانقلاب، مرجعا الأمر إلى الفقر الإعلامي الذي تعاني منه عصابة العسكر، والذي جعل الملعب مفتوحا أمام ما أسماه "الإعلام المعادي"، أو "إعلام التنظيمات الإرهابية"!
اعتراف شكري، يمثل ادانة ووصم بفشل السفاح عبد الفتاح السيسي، والذي يفخر، طوال الوقت، بأنه نجح في صناعة "الأذرع الإعلامية" التي تدافع عن الانقلاب، ومن ناحية أخرى، يمنح إعلام الضفة الأخرى شهادة تفوّق وجدارة مهنية، لا يظن المراقبون أن أحدا كان يحلم بها.

رحلة الإعلام الرافض للانقلاب 

كان الإعلام وأدواته هما الركن الرئيس بعد القوة المسلحة في الخطة والأحداث التي مهدت الطريق لعسكر مصر للقيام بانقلابهم الدموي في يوليو 2013، ورغم زيف وفبركة الكثير مما كان يسوقه الإعلام حينها من أحداث ووقائع لكنه نجح في التأثير على الرأي العام وجعل قطاعا ليس بالهين من الشعب المصري يتعجل النتائج من النظام المنتخب مع عدم منحه الفرصة للعمل على تحقيق المأمول منه وكان ما كان،

ومثلما كان الإعلام حينها أحد أقوى الأدوات التي برهنت على مدى سيطرة الدولة العميقة وإحكامها خطة الإطاحة بالثورة، اليوم أصبح الإعلام وأدواته نفسها دليلا يتجدد يوميا ويوضح مدى سوء إدارة وفساد نظام الحكم العسكري الحالي.
وتبدأ رحلة الإعلام المعارض، بعد الانقلاب الذي نفذه "الجيش" في الثالث من يوليو 2013 على الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، ليتم تعطّيل العمل بالدستور، وقطع بث عدة وسائل إعلامية منها ما يتبع جماعة الإخوان ، وأخرى لاتجاهات مؤيدة لها، بعد مداهمة قوات الأمن الخاصة مقرات قنوات "الحافظ والناس ومصر 25" في مدينة الإنتاج الإعلامي بمدينة 6 أكتوبر.
وخلال السنوات الثماني العجاف الماضية غابت كل وسائل الإعلام المستقلة عن مصر ووصل تكميم الأفواه إلى درجة السيطرة والتحكم فيما يتم نشره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فيما لم ينجح في التغريد خارج السرب سوى عدد قليل من الإعلاميين الشباب الذين يقومون بتشغيل عدد محدود من وسائل الإعلام في الخارج وبإمكانات متواضعة وما تيسر من خبرات.
يشير الدكتور "ماجد عبدالله"، وهو مخرج سينمائي ومنتج فني وتليفزيوني ساهم في تأسيس عدد من القنوات الفضائية المعارضة، إلى أهمية ‏الدور الكبير للإعلام المعارض على الرأي العام، إلى جانب المشاركة في صناعة الأحداث وأحيانا وضع أجندة العمل السياسي للمعارضة بكافة أشكالها، خصوصا أنها استغلت سقطات الإعلام الموالي للعسكر، ليتحول مقدمو البرامج السياسية في القنوات المعارضة إلى "نجوم" بل و قادة للرأي العام.
ويشدد الدكتور "عبدالله" على أن عصر الاحتكار السلطوي للإعلام انتهى، فهذه المرحلة التي تعشيها مصر والمنطقة تتطلب التنوع والتعددية الإعلامية باعتبارهما آلية أساسية لتحقيق الإصلاح الديمقراطي، معتبرا أنه "لو غاب صوت المعارضة في الإعلام لكان الوضع في مصر أصعب وأعقد بكثير مما عليه الآن".
وفي إسطنبول توجد ثلاث قنوات تلفزيونية مصرية هي "وطن" و"الشرق" و"مكملين"، وهي مستقلة، والاستقلال هنا يعني أنها بعيدة عن هيمنة عصابة العسكر وإملاءات أجهزتها الأمنية كما هو الحال بالنسبة لعشرات القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية التي تخاطب الرأي العام المصري.
هذه القنوات الثلاث استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تشكل منبرا لا يتوفر في أي مكان آخر لعدد كبير من المعارضين المصريين الذين لا صوت لهم ولا مكان في وسائل الإعلام التي يُهيمن عليها العسكر في مصر ويبث من خلالها رأيا واحدا دون نقاش. 

وتقول الناشطة زهرة اللوتس: "سامح شكري بيقول ع الإعلام المصري فاشل وغير مؤثر انتوا بتقولوا مين يا ولاد؟ سامح شكري وزير الخارجيه المصري وراح مشوح بإيده كدة يا سيسي يا خسارة فلوسك يا سعودية انتي والإمارات".

إعلام الثورة
عندما استشهد الرئيس محمد مرسي في شهر يونيو 2018 وضمن مهزلة التغطية الإعلامية بالغة السوء للإعلام العسكري تم تداول مقطع للمذيعة منى درويش وهي تسرد بيان النيابة العامة حول الأسباب الملفقة لوفاة الرئيس وختمت قراءة البيان بعبارة "تم الإرسال من جهاز سامسونج".
العبارة كانت فاضحة ودليل على تلقي أذرع الإعلام داخل عصابة الانقلاب تعليمات موحدة النص من جهات سيادية، وفي القلب منها جهاز المخابرات بشقيها العامة والحربية، كما كشفت انخفاض كفاءة وخبرة الكثيرين من العاملين في المجال الإعلامي الرسمي والخاص في مصر. وأعاد إلى الأذهان موقف مماثل لوزير خارجية الانقلاب سامح شكري أثناء قراءته لبيان رسمي في مؤتمر مشترك مع وزيرة الخارجية لدولة المكسيك إثر مقتل سياح مكسيكيين في حادث بالواحات وقع في شهر سبتمبر 2015، حين ختم البيان بعبارة «End of text».
وكان الإعلام وأدواته هما الركن الرئيس بعد القوة المسلحة في الخطة والأحداث التي مهدت الطريق لعسكر مصر للقيام بانقلابهم الدموي في يوليو 2013، ورغم زيف وفبركة الكثير مما كان يسوقه الإعلام حينها من أحداث ووقائع لكنه نجح في التأثير على الرأي العام وجعل قطاعا ليس بالهين من الشعب المصري يتعجل النتائج من النظام المنتخب مع عدم منحه الفرصة للعمل على تحقيق المأمول منه وكان ما كان،
ومثلما كان الإعلام حينها أحد أقوى الأدوات التي برهنت على مدى سيطرة الدولة العميقة وإحكامها خطة الإطاحة بالثورة، فقد أصبح اليوم دليلا يتجدد يوميا ويوضح مدى سوء إدارة وفساد نظام الحكم العسكري الحالي.

Facebook Comments